الرئيسية » سياسة » “القاهرة لحقوق الإنسان” يدعو لسحب القوات الصهيونية من القدس المحتلة.

“القاهرة لحقوق الإنسان” يدعو لسحب القوات الصهيونية من القدس المحتلة.

كتب: كريم يوسف

أبدى مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، اليوم الثلاثاء، قلقه الشديد إزاء موجة العنف التي تجتاح الأرض الفلسطينية المحتلة وإسرائيل منذ الثاني من أكتوبر الجاري. والتي سبق وحذر المركز مع غيره من المنظمات غير الحكومية العربية والدولية، من أن الظروف التي يعيشها الفلسطينيون في ظل غياب مفاوضات جادة تستند إلى قرارات الأمم المتحدة سوف تفضي إلى هذا الانفجار، على نحو يجعل من التطورات التي تشهدها الأرض الفلسطينية حاليًا أمرًا متوقعًا. ويُحذر مركز القاهرة من أن استمرار معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال، دون أي مبادرات لحلول جادة قائمة على أسس عادلة تستند للقانون الدولي، قد تدفع بالشباب الفلسطيني إلى الاستمرار في محاولة إنفاذ القانون بنفسه.

إن البيان الذي قدمته فرنسا لمجلس الأمن في 18 أكتوبر الجاري، والذي أكد على ضرورة حماية الأماكن الدينية في القدس، فضلًا عن المناشدة الفلسطينية من أجل حماية دولية للمدنيين في القدس، كانا بمثابة الخطوات الأولى في الاتجاه الصحيح. إلا أن الطريق قد قُطع على تلك الجهود بسبب المعايير المزدوجة للولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بإسرائيل، والتي تتناقض مع أهدافها المعلنة للسلم في المنطقة والتزامها بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وفقًا لخطاب الرئيس أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، الأمر الذي يعد مثالًا أخرًا لفشل المجتمع الدولي المستمر في تلبية تطلعات الفلسطينيين للحرية والكرامة.

منذ بداية الاحتجاجات في 2 أكتوبر، والتي اندلعت رفضًا لممارسات التمييز المنهجية ضد الفلسطينيون، لقي أكثر من 61 فلسطينيًا حتفهم –غالبيتهم دون العشرين عامًا– إما قتلًا خارج نطاق القانون أو بسبب اللجوء للقوة المفرطة في مواجهة المظاهرات، بما في ذلك استخدام الذخيرة الحية، فضلًا عن إصابة ما يزيد على 4.570 شخصًا بجروح نتيجة استعمال الأعيرة النارية أو جراء الاختناق بسبب الغاز المسيل للدموع، واعتقال أكثر من1000.

لقد عكست الأحداث المتزامنة مع تلك الاحتجاجات نمطا جديدا من المواجهة يتمثل في استخدام الشباب الفلسطيني للأسلحة البيضاء –خاصةً السكاكين– في مهاجمة الجنود الإسرائيليين والمستوطنين. وقد أُردي غالبية مرتكبي هذه الأفعال قتلى في معظم الحالات بعد إطلاق النيران عليهم، وفي حالات قليلة أُصيب المشتبه بهم بعدة أعيرة نارية. وقد وثّقت منظمات حقوق الإنسان عدة حالات تم إطلاق النيران فيها على المواطنين الفلسطينيين بدون أن يشكلوا أي تهديد.

وبحسب البيان، فإن الحكومة الإسرائيلية تتبع سياسات تهدف إلى تجريد الفلسطينيين من الصفة الإنسانية، حيث يتم التعامل مع ممارسات فردية باعتبارها تهديدًا محدّقًا، يتطلب ردًا تستخدم فيه القوة بصورة غير متكافئة، وتُطبق فيه العقوبات الجماعية على الشعب بأكمله، فضلًا عن الاستجابة غير المتناسبة لأفعال الفلسطينيين، والقتل خارج نطاق القانون. يأتي هذا في الوقت الذي تصادق فيه الحكومة الإسرائيلية على قرار يسمح لقوات الأمن بـ”إطلاق النار بقصد القتل”.

إن الحكومة الإسرائيلية قد اتخذت في وقت لاحق عدة تدابير انتقامية ضد سكان القدس من الفلسطينيين، شملت إغلاق الأحياء الفلسطينية في القدس وتعطيل الحركة فيها بوضع مئات الكتل الإسمنتية والعديد من نقاط التفتيش. كما اتخذت الحكومة الإسرائيلية إجراءات بهدم منازل وحظر إعادة بنائها لعائلات يشتبه بأفراد منها تنفيذ عمليات ضد إسرائيليين، فضلًا عن طرد تلك العائلات من المدينة.

ساهمت تلك الإجراءات إلى جانب الخطاب التحريضي الموجه من الشخصيات السياسية ضد سكان المدينة–في نشر مناخ من الرعب بين المدنيين، مما يحول دون قدرتهم على ممارسة حياتهم العادية. ويُعدّ إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي في 20 أكتوبر والذي ألقى فيه اللوم على محرقة اليهود على الفلسطينيين، استمرارًا لسياسة شيطنة تطلعات الشعب الفلسطيني المشروعة في الحرية والكرامة.

إن القانون الدولي العرفي يحظر فرض العقوبات الجماعية التي قد تصل إلى حد جرائم الحرب، علاوةً على أن سلطة الاحتلال مُلزَمة لدى اتخاذها إجراءات لإنفاذ القوانين بعدم اللجوء إلى استخدام الذخيرة الحية إلا في حالات الضرورة القصوى، ووفقا لمبدأي التناسب والاحتياط. ومن ثم ففشل المجتمع الدولي في وقف الانتهاكات الخطيرة والمستمرة للقانون الدولي من جانب السلطات الإسرائيلية هو السبب الرئيس وراء هذا الوضع.

لقد أدت السياسات الإسرائيلية إلى تغييرات جسيمة –قد تكون غير قابلة للتعديل– في الوضع على أرض الواقع، بما يؤدي إلى تقويض أية إمكانية لتقرير مصير الفلسطينيين من خلال إقامة دولتهم المستقلة. وتتضح تلك التغييرات بصفة خاصة في القدس المحتلة، من خلال مجموعة من السياسات الديموغرافية المتبعة منذ عام 1967 وحتى وقتنا هذا، في ظل إدانة دولية أجمع عليها المجتمع الدولي برمته ولكنها استمرت دون محاسبة أو عقاب.

فحين صادقت إسرائيل في عام 1980 على قانونها الأساسي “القدس عاصمة إسرائيل”، صوّت مجلس الأمن ضد هذا القانون من خلال قرار مجلس الأمن 478، حيث أشار إلى أنه “يلوم أشد اللوم مصادقة إسرائيل على “القانون الأساسي” بشأن القدس” وأنه “يقرر أن جميع الإجراءات والأعمال التشريعية والإدارية التي اتخذتها إسرائيل، القوة المحتلة، والتي غيرت معالم مدينة القدس الشريف ووضعها، أو استهدفت تغييرها، خصوصًا “القانون الأساسي” الأخير بشأن القدس، هي إجراءات باطلة أصلًا ويجب إلغاؤها فورًا”.

بعد مرور 35 عامًا من هذا القرار، لا تزال إسرائيل تطبق القانون الإسرائيلي على القدس، وتغلق المؤسسات الفلسطينية وتطرد التمثيل السياسي الفلسطيني من المدينة، إذ أن ما يقرب من 50٪ من المستوطنين الذين يزيد عددهم عن نصف مليون يتواجدون في القدس الشرقية، سواءً في ضواحي المدينة أو داخل الأحياء الفلسطينية.

إن السياسات الإسرائيلية التي تعامل الفلسطينيين المقيمين في مدينة القدس باعتبارهم مهاجرين، وتحظر “لم شمل” العائلات، وارتفاع نسبة الضرائب، فضلًا عن شبكة المتاهات القانونية والتنظيمية التي يغرق فيها الفلسطينيون لإثبات وجودهم في المدينة، هي جميعها إجراءات تهدف إلى التهجير القسري للفلسطينيين. وتقترن بسياسة تخطيط عمراني تحرم الفلسطينيين–بشكل منهجي وخطير من حقهم في السكن والحصول على الخدمات الأساسية، بل وتحرمهم من الحد الأدنى من معايير الحياة الكريمة. هذا بالإضافة إلى جدار الفصل ونقاط التفتيش التي تعزل المدينة عن محيطها الجغرافي وتفاقم من المعاناة اليومية التي يتكبدها سكانها.

إن التقارير والقرارات والبيانات الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة ووكالاتها، والقرارات المتخذة على مستويات رفيعة بما فيها الإدانات الدبلوماسية قد أكدت وجود إجماع دولي حول عدم شرعية الممارسات الإسرائيلية في المدينة على مر السنين. وتتضمن تلك الإدانات نتائج اجتماع الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة المنعقدة في عام 1999، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن جدار الفصل، والذي يفيد بأن المستوطنات الإسرائيلية أُقيمت بشكل ينتهك القانون الدولي. إلا أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة قد تجاهلت هذا الكم الهائل من الوثائق، واستمرت في تنفيذ إجراءاتها القمعية، التي دفعت بـ 300 ألف فلسطيني مقيم في المدينة لمواجهة الذل والحرمان من حقوقهم الأساسية، والتهجير من منازلهم.

إن فشل الاقتراح الفرنسي والمناشدة الفلسطينية في مجلس الأمن لوضع آليات دولية تراقب العنف فيما يُعرف بـــ “الحوض المقدس” في القدس، يرقى إلى حد الإذعان غير المباشر للأفعال الإسرائيلية المحظورة من استيلاء على الأرض باستخدام القوة، ويعطي ضوءً أخضر للحكومة الإسرائيلية لمتابعة أنشطتها الاستعمارية، ويمنحها ما يشبه تصريحًا بقتل المدنيين الفلسطينيين.

لم يعد تقاعس المجتمع الدولي عن التحرك أمرًا مقبولًا. لابد من تطبيق القانون من أجل تجنب مزيد من العنف وإراقة الدماء. كما أن الإجراءات قصيرة الأمد التي ترمي إلى كسب مزيد من الوقت للإبقاء على الوضع الراهن لن تُفضي سوى إلى تقويض أكبر لحقوق الفلسطينيين الأساسية، ولن تأتي بالسلام والاستقرار إلى المنطقة.

إن الالتزامات القانونية في حالة القدس الشرقية المحتلة واضحة. حيث أن المجتمع الدولي مطالب بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 على الفور، وهو القرار الذي يلزم إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة في أعقاب حرب 1967. ومن هذا المنطلق فإننا ندعو مؤسسات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات فعلية من أجل:

1. مطالبة إسرائيل بسحب فوري لقواتها ومستوطنيها من جميع أراضي القدس الشرقية المحتلة وتسليم السلطة فيها لحكومة دولة فلسطين.

2. إجراء تحقيقات بشأن كافة انتهاكات القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان المرتكبة ضد الفلسطينيين ومقاضاة مرتكبيها، بما في ذلك عمليات القتل خارج نطاق القانون، وتدمير ومصادرة الممتلكات الخاصة، وتعويض الضرر الواقع على الضحايا على نحو عادل.

3. إرسال قوات دولية لتأمين عملية الانسحاب وحماية المدنيين الفلسطينيين خلال الفترة الانتقالية

Comments

comments