الرئيسية » سياسة »  العلاقات العربية الأفريقية مصير مشترك

 العلاقات العربية الأفريقية مصير مشترك

 العلاقات العربية الأفريقية مصير مشترك

 بقلم: د. محمود ضياء

إستشارى الدفاع والأمن القومى

زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا

لواء دكتور محمود ضياء

لواء دكتور محمود ضياء

 تتسم العلاقات العربية الإفريقية بالعمق والإمتداد التاريخى، فمن قبل ظهور الإسلام وحتى الآن توجد علاقات وثيقة فى كل المجالات، فقد أسهم ظهور الإسلام فى إحداث نقلة نوعية فى تاريخ العلاقات الثقافية بين العرب والأفارقة، وصولاً إلى دعم كل منهما الآخر للتخلص من الإستعمار والحصول على الإستقلال، مروراً بالجهود الحالية لتحقيق التنمية المستدامة بكل الدول من الجانبين.

ومن أبرز الفترات التى شهدت جهود عربية أفريقية نحو توثيق وتعزيز العلاقات هى فترة السبعينيات من القرن الماضى؛ حيث شهدت قطع “29” دولة علاقاتها مع إسرائيل إبان حرب أكتوبر 1973، وإشادة مؤتمر القمة العربية فى الجزائر عام 1973 بموقف الدول الأفريقية، وإصدار توصيات بتنمية وتطوير التعاون العربى الأفريقى، وربط الدول الأفريقية بين حركات التحرر الأفريقية وحركة التحرير الفلسطينية وإعتبار القضية الفلسطينية قضية عربية أفريقية.

ومنذ نهاية السبعينيات وحتى الآن شابت العلاقات حالة من إنعدام الثقة وإقتصرت العلاقات على الجوانب الثنائية، وإقتصر العمل الجماعى على الشق البروتوكولى والمراسمى فى الإجتماعات والقمم العربية / الأفريقية القليلة التى عقدت، والتى لا تتجاوز قرراتها وتوصياتها الأحبار التى كتبت بها. 

وبالرغم من محدودية العلاقات الأفريقية العربية إلا أنه ما زالت هناك فرص مواتية لتنميتها وتطويرها فى ظل وجود بنية أساسية لمؤسسات التعاون المشترك التى تضم دولاً من المجموعتين العربية والإفريقية، ومن هذا المنطلق سنقوم بتناول الإشكاليات التى تعوق الإرتقاء بالتعاون العربى الأفريقى، وصولاً لرؤى إستراتيجية لتعزيز التعاون بين الجانبين.

وبدأً بالإشكاليات التى تعرقل تعزيز التعاون العربى الأفريقى نجد أن أبرزها تتمثل فى الرواسب التاريخية لدى الدول الأفريقية على خلفية تجارة الرقيق العربية والترويج لأفريقيا السمراء وأفريقيا البيضاء التى غزاها الإستعمار خلال الحقب الماضية، والتى صنفت أفريقيا إلى أفريقيا شمال الصحراء وهى أفريقيا العربية والتى تتمتع بأغلبية مسلمة، وأفريقيا جنوب الصحراء وهى للزنوج والوثنيين والمسيحيين، وهناك أيضاً قضايا المياه والتى قد تفرز صراعات إرتباطاً بأن أغلب الأقطار العربية لا تملك السيطرة الكاملة على منابع مياهها؛ فإثيوبيا وتركيا وغينيا وإيران والسنغال وكينيا وأوغندا والكونغو الديمقراطية هى بلدان تتحكم بحوالى 60٪ من منابع الموارد المائية للوطن العربى، وسعى بعض الدول لإقناع المجتمع الدولـى بتسعير المياه، وتمثّل المشاكل الحدودية أحد مصادر التوتّر الرئيسية بين الجانبين، فهناك العديد من المشكلات الحدودية مثل مشكلة الحدود السنغالية / الموريتانية حول منطقة نهر السنغال، ومشكلة إقليم “إيلمى” بين كينيا والسودان، وحلايب وشلاتين بين مصر والسودان، وإقليم “إنفدى” بين كينيا والصومال، وإقليم “الأوجادين” بين إثيوبيا والصومال، ومنطقتى الفشقات الصغرى والكبرى بين السودان وإثيوبيا، وغيرها من النزاعات الحدودية، علاوة على التدخلات الأجنبية فى الشأن الداخلى للعديد من الدول العربية والأفريقية وتوجيهها لسياساتها والتى لا تتوافق مع المصالح العربية الأفريقية وتعرض الأمن القومى العربى للخطر، فمعظم القوى الأجنبية سواء الإقليمية أو الدولية تسعى لإثارة القضايا الخلافية بين العرب والأفارقة على غرار إلصاق الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبى قضايا الإرهاب والتى تنسب لجماعات الإسلام السياسى يتواجد معظمها بالعديد من الدول الأفريقية غير العربية، مثل “الصومال، كينيا، نيجيريا”، مشاكل اللاجئين والنازحين حيث تعد القارة الأفريقية أكثر مناطق العالم معاناة من هذه المشكلة، الأمر الذى يفرز العديد من التداعيات السلبية على الأمن والإستقرار بالدول التى تستضيف اللاجئين، وإنعكاساتها السلبية على الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية فيها، كذا تواجد العديد من الحركات والجماعات والعرقيات المطالبة بالإنفصال على غرار إنفصال جمهورية جنوب السودان والذى حظى بتأييد عدد من دول الجوار الأفريقى، وكذا من قوى إقليمية ودولية غير عربية، ومساعى أكراد العراق الأخيرة للإنفصال، أضف إلى ذلك غياب وجود آلية فاعلة للتنسيق العربى الأفريقى يعكس ذلك عدم وجود رؤية عربية موحدة تجاه القضايا الأفريقية، وتورط بعض الدول العربية فى الصراعات الأفريقية، والتداعيات السلبية للخلافات العربية العربية، وغياب التنسيق الإعلامى العربى الأفريقى، يعكس ذلك إنكفاء إعلام معظم الدول الأفريقية على المشاكل الداخلية وغياب البعد الإقليمى فى رؤيتها.

 وبالرغم من الإشكاليات السابق الإشارة إليها إلا أن هناك العديد من الفرص لتعزيز التعاون بين الدول العربية والأفريقية يتمثل أبرزها فى ضرورة توسع الحكومات العربية فى التمثيل الدبلوماسى، ليغطى كل الدول الأفريقية، تغيير الصورة الذهنية لدى المواطن الأفريقى عن العالم العربى من خلال إنتاج أعمال فنية مشتركة تؤكد على أهمية التعاون المشترك ونبذ العنف والإرهاب، زيادة عملية تبادل الزيارات على المستويين الرسمى والشعبى خاصة فى قطاعات الشباب، تأسيس حوار إستراتيجى عربى / أفريقى يقوم على أسس إقامة شراكة عربية أفريقية حقيقية قوامها المصالح الإستراتيجية المشتركة بهدف تحقيق نهضة حضارية بدول الجانبين، أهمية تسوية كل القضايا النزاعية والصراعية بين الطرفين، والتوسع فى تنفيذ المشروعات والإستثمارات المشتركة كبديل عن المنح والهبات وبما يربط الجنبين بمصالح مشتركة، تنشيط عملية التبادل التجارى، وإقامة مناطق نقدية إقليمية أو دون إقليمية بعيداً عن مراكز السيطرة النقدية الدولية، والتعظيم من دور المؤسسات المالية القائمة، مثل بنك التنمية الإفريقى، والمصرف العربى للتنمية الإقتصادية فى أفريقيا، وخلافه، وضع إستراتيجيات لتحقيق التكامل بين الإنتاج الزراعى والصناعات القائمة عليها، دراسة إمكانية إنشاء منطقة تجارة تفضيلية إرتباطاً بمساهمتها فى تحقيق قدر أكبر من التعاون والتكامل، زيادة أعداد الطلبة الأفارقة بالجامعات والمعاهد العربية، وإيفاد الخبراء والفنيين للدول الإفريقية، بالتوازى مع التعظيم من دور المؤسسات الدينية المعتدلة والتى تقوم بنشر تعاليم الدين الإسلامى الوسطى الصحيح مثل الأزهر الشريف لمواجهة الفجوات التى يحدثها نشر الأفكار المتطرفة من الجماعات الإرهابية، ضرورة تدعيم أوجه التعاون بين جامعة الدول العربية والإتحاد الأفريقى فى كل المجالات الأمر الذى يسهم فى توحيد الرؤى تجاه القضايا المصيرية المشتركة، إدخال مقررات عربية فى الجامعات الأفريقية والعكس بالعكس، توثيق التعاون بين مؤسسات المجتمع المدنى بالجانبين، تشجيع البحث العلمى حول العلاقات العربية الأفريقية وسبل تطويرها ومكافأة الأبحاث المتميزة والتى تأتى بأفكار قابلة للتطبيق، تنظيم الملتقيات والمهرجانات الثقافية والفنية والفلكلورية والتراثية، تنسيق وتعزيز التعاون بين التجمعات العربية والأفريقية مثل”الكوميسا، الإيكواس، السادك، البرلمان الأفريقى، مجلس التعاون لدول الخليج العرب، إتحاد المغرب العربى”، ضرورة تبادل المعلومات والتنسيق الأمنى والإستخباراتى خاصة فى مجال مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر.

وأخيراً أؤكد أنه إذا توفرت الإرادة السياسية للدول العربية والأفريقية والمنظمات الإقليمية الممثلة للجانبين والمتمثلة فى جامعة الدول العربية والإتحاد الأفريقى وإدراكهم الحقيقى أن المصير مشترك، وقناعتهم بضرورة توحيد الجهود، حتماً سيؤدى ذلك إلى ترسّيخ علاقات التعاون بين الجانبين العربى والأفريقى، وهو ما يزيد من قدرتهم على مواجهات التحديات والتهديدات وإدارة الأزمات بصورة ناجحة.

Comments

comments