الرئيسية » عاجل » تمصير حقوق الإنسان والتأسيس لمناهج تطبيق خاصة بالدول النامية
تمصير حقوق الإنسان والتأسيس لمناهج تطبيق خاصة بالدول النامية

تمصير حقوق الإنسان والتأسيس لمناهج تطبيق خاصة بالدول النامية

 

كتب : أحمد محسن قاسم

 

 

 

على مدى عقود طويلة ومبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مصر ، تستخدمها المنظمات الدولية المسيسة كأداة ضغط على النظام الحاكم وممثلي دول العالم المتقدم على كافة مستوياتهم ، إما لتحسين صورتهم أمام شعوبهم وجماعات الضغط داخل بلادهم ، فكانت العلاقة دائما فيما يتعلق بهذا الملف علاقة إتهام ودفاع من النظام الحاكم في مصر ، مستغلين في ذلك ضعف النظم الحاكمة وتردي الأوضاع الداخلية سواء الإقتصادية أو السياسية أو الإجتماعية على مدى تلك العقود ، متجاهلين دائما إختلاف الظروف والأحوال والمؤشرات والتحديات التي تواجهها مصر في كل مرحلة من المراحل وأولوياتها.
ولعل من أبرز نتائج الضغط بملفات حقوق الإنسان ، هو ما لاقته المنطقة العربية من فوضى وتدمير في ظل الربيع العربي ، نتيجة للتطبيق الغير متزن لمبادئ حقوق الإنسان ، وتحديداً من خلال تطبيق المبدأ التاسع عشر- حرية الرأي والتعبير- من المبادئ الثلاثين والذي تتمسك به دائما دول ومنظمات الغرب المسيسة تحت غطاء إدعاءات دوره في تحقيق التنمية ، متناسيين عمداً لأمراض المجتمعات العربية من فقر وجهل وضعف سيطرة وسيادة الدول على شعوبها وأراضيها والذي ينتج عنها التطرف كنتيجة مباشرة بالإفراط أوالتفريط في القيم المعنوية المؤثرة في تماسك المجتمعات ، إذا ما وضع لها إطار داعم متمثل في حرية الرأي والتعبير .
فالإشكالية الواقعية مابين الدول النامية ودول العالم المتقدم فيما يتعلق بتطبيق مبادئ حقوق الإنسان تتمثل في عدم إحترام الدول المتقدم لأولويات الدول النامية – تبعا لظروفها- في تطبيق ايا من المبادئ الثلاثين وكذلك حدود وأطر تطبيق كل مبدأ ، بل وتمتدد الإشكالية إلى إختلاف المفهوم التعريفي لكل مبدأ بين الدول وبعضها.
ولتقريب الفكرة أكثر للقارئ الكريم ، نتساءل ، هل دعم المبدأ التاسع عشر المؤسس لحرية الرأي والتعبير لمواطني دول مستقرة مثل النمسا وسويسرا والسويد في ظل معدلات مرتفعة من تطبيق مجالات المبادئ الثلاثين الأخرى سيأتي بنفس النتيجة السلبية دول غير مستقرة وتفتقد الحد الأدنى من مجالات المبادئ الثلاثين الأخرى مثل ليبيا وسوريا واليمن ؟ ستكون الإجابة قطعا بالنفي لأن حرية الرأي والتعبير فالأولى ستساعد على إبراز المشكلات وطرح طرق معالجتها لبحث الأنسب منها ، أما في دول المجموعة الثانية ستكون حرية الرأي والتعبير بمثابة إطار داعم للفكر المتطرف والإستقطاب والإنقسام يتطور إلى ليصل إلى حد الإقتتال ، لعدم وجود التوازن والإستقرار المتوافر في دول المجموعة الأولى.
والمتابع لمواقف السلطة السياسية في مصر حيال هذا الملف ، يدرك تماما إختلاف موقفها عن موقف السلطات السابقة من هذا الملف بل وعن موقف معظم الدول النامية من هذا الملف ، فقد إنتقلت السلطة السياسية بمصر من موقف الإتهام والضعف الدائم إلى موقف تصحيح مسار تناول دول العالم المتقدم والمنظمات الدولية لملف حقوق الإنسان في مصر ، ويأتي هذا الموقف نتيجة إدراك القيادة السياسية المتمثلة فالسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي لنقاط ضعف المنظومة التي تبناها الخارج حيال ذلك الملف والمتمثل في عدم التوازن بين تطبيق المبادئ الثلاثين وكذلك عدم مراعاة أولويات كل دولة ، مع الإدراك لنقاط قوة منظومة التنمية الحقيقية التي وضعها لحقوق الإنسان المصري بما يتناسب مع أولوياته ، والتحديات وظروف الدولة المصرية ، بما يحقق التوازن المفقود في منظومة الخارج ورؤيته لحقوق الإنسان.
ولعل أبرز الشواهد التي تبلور وتبرز ذلك الموقف الواعي المتعمق ، كلمة السيد الرئيس السيسي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر 2017 ، والذي تزامن مع إطلاق مصطلح ومفهوم ” تمصير حقوق الإنسان” في الممارسة السياسية المصرية ، مروراً بكلمته في إفتتاح منتدى شباب العالم في نوفمبر 2017 التي تضمنت الدعوة لتضمين الحق في مكافحة الإرهاب بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، والتي كان أخر هذه الشواهد كلمته عن هذا الملف بالمؤتمر الصحفي المشترك مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون ، والتي تضمنت مطالبته رؤية حقوق الإنسان من منظور مصري وليس منظور أوروبي بما يتناسب مع أولويات وتحديات الدولة المصرية .
فإذا ما تمسكت مصر بموقفها الحالي من هذا الملف ، وتجاوزت ضغوطات ومناورات السياسة الدولية ستكون قد أسست لمنهج ومعادلة جديدة في تعامل المجتمع الدولي مع الدول النامية فيما يتعلق بمبادئ حقوق الإنسان بما يحقق مردودات إيجابية على تلك الدول وشعوبها من جهة ، ومن جهة أخرى على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ذاته للتأكيد على كونه مازال قابلا للتطبيق .

ولعل ما يجعلني مؤيدا ومتحمسا بشدة لهذا الموقف من القيادة السياسية ، هو مطابقة هذا الموقف لموقف الإسلام من حقوق الإنسان وأولويات وجود تلك الحقوق حيث جاء عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم فالحديث الشريف الذي أخرجه الترمذي وحسنه الألباني ” من أصبح منكم أمنا في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا” ، ففضلا عن ان هذا الحديث يكرس لمفهوم ” الثروة” وفقا لتعريف الإقتصادي ويليام ستانلي جيفونس ، إلا إنه يكرس أيضا لأولويات حقوق الإنسان متوافقاً مع تحركات السلطة السياسية داخليا من إهتمام بالأمن والصحة وتوفير فرص العمل والغذاء ، وموقفها الدولي الحالي من حقوق الإنسان.

 

Comments

comments