الرئيسية » الثقافه » “أبو الغيط” في مؤتمر”فكر17″ بالمملكة العربية السعودية: ما نحتاج إليه في هذه اللحظة المأزومة من تاريخنا هو فكر عربي جديد
“أبو الغيط” في مؤتمر”فكر17″ بالمملكة العربية السعودية: ما نحتاج إليه في هذه اللحظة المأزومة من تاريخنا هو فكر عربي جديد
"أحمد أبوالغيط" الأمين العام لجامعة الدول العربية

“أبو الغيط” في مؤتمر”فكر17″ بالمملكة العربية السعودية: ما نحتاج إليه في هذه اللحظة المأزومة من تاريخنا هو فكر عربي جديد

كتب: أيمن وصفى

حضر “أحمد أبو الغيط” الأمين العام لجامعة الدول العربية مؤتمر”فكر17″ .. وهو مؤتمر مؤسسة الفكر العربي تحت عنوان: “نحو فكرٍ عربي جديد”، وذلك بمركز الملك عبد العزيز الثقافي- الظهران- المملكة العربية السعودية، ووجه التحية لكل من الأمير/ خالد الفيصل رئيس مؤسسة الفكر العربي، وللبروفسير “هنري العويط” مدير عام مؤسسة الفكر العربي، وللحضور الكرام..

 وقال “أبو الغيط” فى بداية كلمته: “لا يحتاج المرء إلى جهد كبير ليدرك فداحة وعمق الأزمة التي يعيشها عالمنا العربي بصور ودرجات متفاوتة .. ما علينا سوى أن نُطالع المشاهد المروعة على شاشات التليفزيون .. مدن عامرة صارت خراباً .. وحواضر طالما ملأت الدنيا نوراً صارت ساحات حرب .. لاجئون بالملايين .. وقتال مستعر بين الأهل .. وأجيال جديدة تنشأ في مخيمات اللجوء في بلاد شقيقة أو غريبة .. لقد صار حال الأزمة هو واقعنا .. وهي أزمةٌ ممتدة وليست عرضاً ناشئاً، وما نشهده اليوم هو مظاهر انفجارها واستفحالها وخروجها إلى العلن في صور ماثلة أمامنا، تستفز ضمائرنا  وتثير فينا جميعاً الألم والحزن.. إنها أزمة تُعانيها أوطاننا من زمن بعيد منذ بدأت معركتها مع التحديث ورغبت في اللحاق بالركب الحضاري.. هي الأزمة التي عرّفها شكيب أرسلان بسؤاله المدوي منذ قرن من الزمان :” لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟” .. هذا هو السؤال بألف ولام التعريف الذي كان مدار الفكر العربي والثقافة العربية لما يزيد على قرن ونصف القرن من الزمان .. وهو السؤال عينه الذي نقف أمامه اليوم في هذا المحفل المهم وغيره من المحافل التي تُعنى بتجديد الفكر وإحياء الثقافة”.

 وأوضح “أبو الغيط” من خلال كلمته: “الواقع أن أزمتنا الحضارية الشاملة هي في جانب كبير منها أزمة فكر.. هكذا أدرك رواد النهضة العربية الأوائل منذ منتصف القرن التاسع عشر .. فالفكر والعمل صنوان متلازمان كالرعد والبرق .. والانبعاث الحضاري الشامل هو بالضرورة حصيلة لنهضة فكرية شاملة .. والمتأمل للنهضة الأوروبية منذ خمسة قرون يُدرك أن الشيء الجوهري الذي تغير عند بدء الطريق إلى الحداثة هو طريقة التفكير، وأسلوب النظر إلى الأشياء والعالم .. أي ما نسميه بالثقافة .. فالثقافة والفكر سابقتان على التكنولوجيا والعلم.. بل هما الرحم الذي تتخلق فيه النهضة العملية والتكنولوجية .. والطريق الذي يقود إليها”.

 وقال: “يصعب اليوم أن تجد من يجادل في أن الثقافة العربية ليست بحاجة إلى تجديد شامل يهزها من العمق .. إن ما نحتاج إليه في هذه اللحظة المأزومة من تاريخنا هو فكر عربي جديد .. يكون علمياً بحق .. ومعاصراً بحق .. وعربياً بحق.. لهذا سأتعرض في عجالة لهذه النقاط الثلاث التي أراها تُشكل “مثلث الفكر العربي الجديد” الذي ننشده:

اولاً: فأما أن يكون الفكر العربي علمياً فهو المطلب الأول الذي ما زلنا نتعثر ونكابد دون أن نصل إليه بصورة كاملة أو مرضية  .. وهو مطلب لا تتم نهضة فكرية من دونه.. فالتفكير العلمي لا يخص – كما هو شائع- العلماء وحدهم.. وإنما هو طريقة في التفكير تُخاصم الخرافة .. وتربط بين المقدمات والنتائج .. وتتخلص من أسر التفكير الرغبوي أو الـ wishful thinking .. وتفصل بين الرأي وبين شخص القائل به .. وهذه كلها من سمات التفكير العلمي الذي لا يعني – بأي حال- حشداً للمعلومات العلمية .. وإنما ينصرف إلى المنهج القائم على العقل والبرهان والإيمان بالعلم وبمعطياته وبإمكانياته المذهلة في تسخير الطبيعة وتحسين الحياة وتنظيم المجتمعات .. لقد واجه هذا النوع من التفكير عقبات عبر التاريخ، ولكنه ما لبث أن توغل وأثبت الجدارة بواقع إنجازاته التكنولوجية الجبارة وقدرته على تغيير العالم إلى الأفضل.. والحاصل أننا في العالم العربي مازلنا نفصل بين المنجز التكنولوجي والعلمي وبين منهج التفكير الذي يقف وراءه .. ومازال التفكير العلمي في بلادنا يُعاني أشد المعاناة في مواجهة ضروب مختلفة من التفكير الخرافي والتآمري الذي يفاقم من واقع أزمتنا”.

 وقال: “ومما زاد الطين بلة أن هذا العصر الرقمي، وبدلاً من أن يُسهم في إشاعة المعرفة عبر أدوات مثل الإنترنت وغيره .. وجدناه يُسهم في ترسيخ أنماط التفكير الخرافي المعادي للعلم .. أو التفكير المتطرف بكل أشكاله .. ذلك أن الإنترنت هو مجرد وسيط .. وكما يستخدمه المتنورون والباحثون عن المعرفة، فقد وجد فيه أنصار التطرف والجهل ضالتهم للتواصل ونشر أفكارهم عبر الكوكب .. وقد لاحظنا جميعاً أن الأفكار الأشد تطرفاً وجهلاً تجد طريقها للانتشار بصورة أسرع، لأن الناس تبحث عن الأفكار التي تتماهى معها وتؤكد ما لديها من انحيازات ورؤى أولية، وترفض بصورة غير واعية كل ما يتعارض مع تصوراتها .. وهي ظاهرة نلمسها في العالم المتقدم والنامي على حد سواء.. وقد أنتجت حالة أطلق عليها البعض “عالم ما بعد الحقيقة”  Post-Truth World .. حيث يصعب جداً تمييز المعلومة الصادقة بين ركام من الأكاذيب، أو وقف انتشار معلومة زائفة أو مضللة .. ولا شك أن هذا التطور الجديد يلقي بظلاله على مجتمعاتنا العربية ويُزيد من  حالة التشويش والإرباك، ومخاصمة التفكير العلمي بصورة نلمس انعكاساتها المباشرة على واقعنا السياسي والاجتماعي.. وظني أن هذا الموضوع يحتاج من المفكرين والمثقفين العرب إلى انتباه واهتمام كبيرين لأنه يُمثل ظاهرة بالغة التأثير والتغلغل، خاصة في أوساط، ثانياً: وأما أن يكون الفكر العربي معاصراً فيعني أن ينصرف إلى قضايا العصر ولا يبقى أسيراً لأسئلة الماضي، مشدوداً إليها بسلاسل غليظة تحول بينه وبين الإنطلاق إلى المستقبل.. والمثقف بالتعريف هو من ينغمس في أسئلة عصره، ويسلط عليها فكره وجهده العقلي باحثاً عن الإجابات .. وعصرنا الحالي يموج بأسئلة كبرى لا يُمكن أن ينفصل الفكر العربي عنها، وإلا تخلف وصار فكراً متحفياً مقطوع الصلة بالواقع.. والأسئلة الكبرى في هذا العصر تتعلق عموماً بمستقبل الحضارة البشرية.. وفي الأساس بعلاقة الإنسان بالتكنولوجيا، وعلاقته مع الطبيعة: أي دور تقوم به تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي؟ وما انعكاسها على تركيبة المجتمعات البشرية وعلى ظواهر مهمة مثل سوق العمل والصراع العسكري؟ وإلى أي مدى سيسمح البشر لهذه التكنولوجيا برسم اختياراتهم في المستقبل عبر ما يُسمى بالخوارزميات التي أصبحت ملمحاً رئيسياً في حياتنا المعاصرة؟ .. ثمة سؤال آخر بخصوص التغيير المناخي ومستقبل الحياة على ظهر الكوكب خلال ما يُسمى بعصر الأنثروبوسين Anthropocene أي الحقبة التي صار وجود الإنسان وأنشطته المؤثر الرئيسي على طبيعة المناخ في الكوكب”.

 وأوضح “أبو الغيط”: “بأن هناك أيضاً معضلات قديمة- متجددة تتعلق بالنظام الاقتصادي والسياسي الأمثل.. فالحاصل اليوم أن جدلاً مشتعلاً ينصب على ظاهرة العولمة وصورة العالم الذي خلقته .. فمع التسليم بما أفضت إليه العولمة من رفاهية وما أدت إليه من خروج مئات الملايين من ربقة الفقر.. إلا أنها – وكما نرى- خلقت أيضاً صراعات حادة داخل المجتمعات .. بين النخب والطبقات الأخرى.. ونلمس في ما يجري اليوم حالة من التململ الجماهيري واسع النطاق حيال المعادلة التي بشرت بها العولمة، بل وتآكلاً للثقة في المؤسسات التي خلقتها.. فأي مستقبل لهذه الظاهرة؟ بل أي مستقبل للأفكار السياسية والاقتصادية التي سادت طوال القرن العشرين من ليبرالية إلى رأسمالية إلى غيرها؟ وهل نشهد عصراً جديداً يخيم فيه شبح الشعبوية المخيف على المجتمعات؟ .. وما مكان الفلسفة والفكر في “عالم ما بعد الحقيقة” كما تحدثت سالفاً؟.. هذه كلها أسئلة ومعضلات تشغل البشر عبر العالم.. ولا ينبغي أن يكون الفكر العربي بعيداً عنها أو مخاصماً لها”.

 وأشار “أبو الغيط” للنقطة الثالثة والأخيرة؛ وقال: “فلابد أن يكون الفكر الجديد عربياً بحق .. وأعنى بذلك أن ينطلق الفكر الجديد من واقعنا العربي .. وأن يدور في مداره .. وأن يقف على أرضه .. فلا يكون فكراً مستلباً أو مستورداً .. ومن أسف أن الكثير من المثقفين العرب – وأقولها بصراحة- لا يهتمون الاهتمام الكافي بالاقتراب من واقع المجتمعات العربية .. فهم يُسارعون إلى إسقاط أفكارهم وتصوراتهم على هذا الواقع دون أن يهتموا الاهتمام الكافي برؤيته على ما هو عليه .. وظني أن الخطوة الأولى نحو فكر جديد هي التحلي بهذه النظرة الواقعية التي لا تعني بأي حال التخلي عن الخيال أو الاستسلام لما هو قائم … ولكن المقصود هو أن يعبر فكرنا عن قضايانا نحن .. وهمومنا نحن .. لا عن تصورات منقولة نقلاً، ومنسوخة نسخاً، من بيئات غريبة عنا لها سياقات حضارية مغايرة”.

 وقال: “ويكون الفكر عربياً كذلك إن هو انطلق من تراثنا دون أن يبقى أسيراً له .. وهذه معضلة كبرى أرقت مفكرينا وما زالت إلى اليوم.. أي المعاني والقيم نأخذها من تراثنا، وأي الأفكار ندعها؟ وما المعيار؟ .. والحال أن تراثنا غابة شاسعة مترامية .. كثيفة الأشجار متشابكة الأغصان .. فيها طيب الثمر جنباً إلى جنب مع العلقم والشوك.. ومن دون بوصلة أو منهج، فإن الخائض في هذا التراث العريض الذي يمتد لقرون من الزمن يصير عرضة للضلال والتيه .. وظني أنه ليس للمثقف العربي أن يقف من تراثه موقف الرفض الكامل .. وإنما عليه بالتأكيد أن يتناوله بمنظور نقدي .. وأن ينظر إليه من زاوية عصرنا وقضاياه .. وأن يستعير من التراث المواقف والقيم والمناهج، وليس المعارف بحرفيتها أو الأفكار بذاتها.. والتجديد –على سبيل المثال- هو ركن مهم في تراثنا الفكري الزاخر .. وقد قال الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم): “إن الله يبعث  لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يُجدد لها دينها” .. فأين نحن من هذا المنهج الذي يعتبر التجديد في الفكر سنة واجبة .. وضرورة لازمة؟”.

 وفى ختام كلمته قال أبو الغيط: “آثرت أن أضع أمام مؤتمركم المهم رؤيتي للفكر العربي الجديد الذي ننشده.. والذي لا يمكن أن يسهم في نقل مجتمعاتنا من حال إلى حال من دون أن يكون علمياً بحق .. ومعاصراً بحق .. وعربياً بحق، وأتمنى لأعمال مؤتمركم النجاح.. وشكراً لكم”.

Comments

comments