الرئيسية » اجتماعيات » هَدْهَدة .. مات بعد حياء
هَدْهَدة .. مات بعد حياء
الشاعرة والمؤرخة "هويدا عطا"

هَدْهَدة .. مات بعد حياء

بقلم: هويدا عطا
شاعرة.. مؤرخة

الشاعرة والمؤرخة "هويدا عطا"

الشاعرة والمؤرخة “هويدا عطا”

 أحتاج إلي سنوات ثماني يا أبي.. لكي أستعيد أنفاسك الحنونة التي كانت تحتضني دون زراعين أو مجرد إيماءة إلى هذا النهر الجارف، من فيض الحب الذي يغرق مدينة بأكملها ويزيد، لكن عزة نفسك الآبية الصعيدية.. كانت سدًا كبيرًا وحجابًا سميكًا دون كشفها بسهولة، إلا أنه قبل رحيلك عن الحياة بشهرين.. تمردت علي كبريائك الفرعوني الدماء.. حينما اتكئت علي المك وساقك السمراء النحيفة، وعلي قلبي الناظر إليك بشغف الخوف والترقب والحائط المائل علي حظي وأيامك؛ وقلت بسبق لم يحدث من قبل وكلمات تسبقها الدهشة.. إني أحبكم جميعًا أبنائي.. إلا إياك فلك العشق وحده
فالشبه بيننا كان كبيرًا.. دون ملامح.. كنت ترسم وأنا ألون.. كنت تخط الحرف وأنا أبتكر.. كنت تقود وأنا أقلد. 

 فصورتي الحائرة ما بين حمرة الرمان وسمار عطائك الفياض كسنابل القمح التي تتمايل يمينًا وشمالًا في مركب الهواء العاشق.. دون ثبات.. تدفئها عين الشمس القرمزية، وتظلها غيمة شاردة دون انتباهة، وتؤنسها زغاريد العصافير والنساء ساعات العصاري الفرحة.. تشهد بذلك
في مثل هذا الوقت البعيد كانت يدك السمراء الصغيرة تضغط بقوة علي يدي من شدة الألم وهجومه الشرس المتوالي.. أما أنا فكنت لا أشعر بأي ألم.. وكيف أتألم ولأول مرة تحتاج إلي يدي لتحتمي بها من المك الفتاك.. فقط كنت أحاول أن أسرقه في خلسة منك إلي يدي.. لكن دون جدوى أو نجاحي الذي عهدته معك حينما أشحذ همتي وحيلي لاقناعك بأمر ما.. فقد غلبني مفرق الأحباب.. سبق الموت حد الزمن وتفوق علي كل محاولاتي للإحتواء والدعاء،
كان الألم يزداد بجسدك النحيف الذي هزمه المرض الوحشي بكل ضرواة، وأنت من كنت أبدًا لا تستسلم له.. هذا الجسد الذي لطالما كان بمثابة الملجأ بعد الله لي وللجميع والقوة والحماية والرجولة التي شهد لك بها كل من عرفك وجاورك في حياتك، وبعد مماتك
كانت العتمة تزداد سوادًا في عيني.. تسكنني وتحتضنني بقسوة.. بينما أرقب بفزع اصفرار وجهك يزداد رويدًا رويدًا.. ليسلم للموت رايته بكل خضوع وسكينة لم أعهدها فيك من قبل أيها العسكري المشاكس.

 كنت مازلت أمسك بيدك.. فيروق لي أنك تتكأ عليها بشدة، وتسكب المك القاسي فيها.. ربما ترتاح قليلًا منه ولو برهة..
 فرحت بهذه اللحظة التي شعرت فيها لأول مرة باحتياجك لي… ليدي الصغيرة.. دون شعور بالحرج، وأنت من لم تظهر أي احتياج أو ضعف أو لجوء من قبل لي أو لغيري..

 فشخصك الذي يشبه أسياد الحارة المصرية في روايات نجيب محفوظ.. أبدًا لم يحط ترحاله فى يوم من الأيام على شاطئ الحاجة واللجوء للآخر.. دمت عزيز النفس.. أبيَّ.. ترتدى لباس النخوة والشهامة وأنت بعمرك السبعيني.. تفعل ما لايفعله الشباب الخامل..

 ما هي إلا لحظات قليلة وكل من حولي.. من يشاركك سويعاتك الأخيرة.. طلب مني الخلود إلي النوم بالسرير الذي يجوارك.. لشدة إعيائي.. رفضت لكن تحت الإلحاح الشديد منهم.. نعم نمت قليلًا بعد أن طلبت منه كثيرًا أن يقول ويردد الشهادتين،  وزدت عليه أن يصلي على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام؛ كي يخفف الألم عنه..حتي لا يظن أنه زائره قد اقترب.. لكن بداخلي كان هناك رعب جاثم علي قلبي وصدري وجميع أجزائي.. من اقتراب الفجيعة.. النهاية الرحيل.. الفراق.. الموت له والموت لي..

  نمت قليلًا.. لأصحو فزعة على شهقات روحك.. تهمهم صارخة.. لا أفهمها.. تناديني بسرعة غير معهودة.. لتوقظني كي أشهدها.. كما فعلت أمي تمامًا من قبلك بأربع سنوات.. باللحظة الأخيرة
نعم.. فأنا المحظوظة بهذه اللحظة الأخيرة ..الوحيدة بين أبنائكما.. التي نالت وجع الوقوف علي رأسيكما في آخر مشهد لرؤيتكما الغالية المستحيلة.. وأنتما تخرجان آخر ما تبقى لكما من أنفاس بهذه الدنيا البائسة.. لتدخل إلي صدري مباشرة وتستقر بروحي إلي الأبد دون جدوي للخروج رغم الرجاء والإلحاح..

 أتساءل.. لماذا كنت صاحبة الاسم الأخير علي لسان أمي.. والمنادة الأخيرة علي لسان أبي؟
هل أبيتما أن لا ترحلا دون أن أشاركما أنفاسكما الأخيرة.. لأتلاشي معكما يا أحب من خلق ربي؟!

Comments

comments