الدعاء (صرخة قلب لا نص محفوظ) !!
بقلم: الكاتب الصحفي والإعلامى الكبير "سمير البرعى"
جوهر الدعاء وشكلية المظاهر .. هل فقدنا روح العبادة ؟!

في زحمة الحياة، نجد أنفسنا أحياناً ننساق وراء “قوالب” جاهزة للعبادة، متناسين أن العلاقة بين العبد وربه هي في أصلها علاقة حب ومناجاة مباشرة، لا تحتاج إلى وسيط أو “كتيب تعليمات” يملي علينا مشاعرنا.
الدعاء .. (صرخة قلب لا نص محفوظ) !!
المثير للدهشة هو الإصرار على تحويل الدعاء إلى نصوص جامدة يتم توزيعها وترديدها بشكل آلي، مثل “دعاء نصف شعبان” المتوارث منذ العصر الفاطمي؛ ورغم بلاغة بعض هذه النصوص، إلا أن الخطورة تكمن في تحويلها إلى ما يشبه “الطقس الإلزامي”.
إن الله عز وجل يعلم ما في الصدور، ويعلم ما نجهر به وما نخفيه، فهل نحتاج حقاً لخطب رنانة أو صراخ يضيع معه معنى الخشوع بحجة التجويد ؟!؛ العبادة الحقيقية هي تلك الكلمات البسيطة النابعة من قلب صادق، يعبر فيها كل إنسان عن حاجته بلسانه وأسلوبه، دون صخب أو تكلف يشبه حفلات الغناء الصاخبة.
حكاية “السبحة” .. (من طقوس الهند إلى وجاهة العصر)
وإذا انتقلنا من “منطق الكلمات” إلى “أدوات التسبيح”، نجد “السبحة” حاضرة في يد الجميع؛ من المسلم والمسيحي إلى الكاهن والناسك؛ لكن، هل سألنا أنفسنا يومًا عن أصلها ؟!
تؤكد الدراسات التاريخية أن السبحة لم تبدأ كإختراع محلي، بل انتقلت إلينا من الثقافات الشرقية القديمة في الهند والديانات البوذية، ومع مرور الزمن، تلونت وتعددت أشكالها.
تنوع عالمي
انتقلت لكل بقاع الأرض، من الشرق إلى أوروبا وأمريكا، حيث يحملها البعض للعبادة، والبعض الآخر كجزء من الموروث الثقافي؛ أما في الديانة اليهودية، فهي غير موجودة بشكلها التقليدي المعروف، حيث يعتمدون على “عقد الصلاة” (التزيتزيت) كأداة تذكير.
معنى العقد
هذه الأهداب “الشراريب ” الموجودة في شال الصلاة (الطاليت)؛ ليست مجرد زينة، بل تحتوي على 5 عقدات و8 خيوط.
الرمزية الرقمية
في اللغة العبرية، القيمة العددية لكلمة “تزيتزيت” هي 600، وإذا أضفنا لها عدد الخيوط (8) والعقد (5)، يصبح المجموع 613.
الهدف
هذا الرقم (613) يرمز إلى عدد وصايا التوراة. لذا، “عقد الصلاة” هو تذكير للمصلي بكل الوصايا الإلهية أثناء وقوفه أمام الله.
(من التعبد للوجاهة الاجتماعية) !!
تحولت السبحة اليوم من مجرد (عداد) للذكر، إلى رمز للوجاهة الاجتماعية؛ فنجدها من الأحجار الكريمة، وبأثمان باهظة؛ أو نراها بصورتها العصرية الخاتم الصيني الرقمي.
الخلاصة
العبادة سواء كانت دعاءً أو ذكرًا؛ هي فعل روحي يهدف لتهذيب النفس، والتقرب من الخالق، وحين تطغي “الهيصة” والشكليات والمظاهر على المضمون؛ نفقد تلك اللحظة الصافية التي يختلي فيها الإنسان بربه، فليكن دعاؤنا من قلوبنا، وليكن ذكرنا نابعًا من إدراكنا بعيدًا عن صخب المظاهر وتكلف الأداء.
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.










