تزامنًا مع الاحتفال باليوم العالمي للتعايش .. مفتي الجمهورية والأنبا إرميا يستعرضان عبقرية الأنموذج المصري في التعايش الإنساني والتعددية الفكرية في جناح دار الإفتاء بمعرض الكتاب
كتب: أيمن وصفى
مفتي الجمهورية:
• الشرائع السماوية الْتقت على أصول العقيدة والعبادة والأخلاق .. ودولة المدينة أرست شراكة إنسانيّة راقية للتعايش وحفظ الحقوق
• فقه التعايش ليس مفهومًا طارئًا بل ركيزة أصيلة في الشريعة الإسلامية وفي تجربة الدولة المصرية عبر تاريخها
• إنشاء مركز الإمام الليث بن سعد تأكيد على امتداد فقه المواطنة والتعايش في المدرسة الفقهية المصرية
نيافة الأنبا إرميا:
• الاختلاف فضيلة إنسانية والتعددية سُنَّة كونية والأديان السماوية جاءت لتتكامل لا لتتصادم
• الإسلام والمسيحية قدَّما نماذج تاريخية حقيقية للتعايش السلمي وترسيخ ثقافة السلام بين البشر
• بيت العائلة المصرية تجربة وطنية لحماية النسيج المجتمعي والفضل في تأسيسه يعود لشيخ الأزهر
• القيم الدينية الأصيلة تؤكد احترام الإنسان ورفض العنف وتحريم الاعتداء على النفس البريئة
عضو المكتب الفني لمفتي الجمهورية
• التعايش والتعددية ركيزتان أصيلتان في الهُوية المصرية عبر التاريخ
• الشعب المصري متعايش بطبيعته قبل أي أطر مؤسسية والأنموذج الوطني يعكس وحدة الأزهر والكنيسة

في لقاء فكري عكس حيوية المنهج المصري وقدرته على ترسيخ قيم السلام المجتمعي والعيش المشترك، انطلقت فعاليات ندوة: «من قلب القاهرة إلى العالم.. قراءة في الأنموذج المصري للتسامح والتعددية الفكرية»، وذلك ضمن البرنامج الثقافي لجناح دار الإفتاء المصرية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، بالتزامن مع الاحتفال بـاليوم العالمي للتعايش، وقد جاءت الندوة لتسلِّط الضوء على التجربة المصرية بوصفها أنموذجًا راسخًا في مواجهة التطرف، ومنارةً تصدر للعالم مفاهيم المواطنة، والتعايش، والعيش المشترك، في إطار يجمع بين المرجعيات الدينية والإنسانية، ويعكس خصوصية النسيج الوطني المصري.
وقد شارك في الندوة كلٌّ من فضيلة “أ.د. نظير محمد عياد” مفتي الجمهورية – رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، ونيافة الأنبا إرميا، الأسقف العام، رئيس المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، وأدار اللقاء د. محمود عبد الرحمن، عضو المكتب الفني لمفتي الجمهورية.
وفي كلمته، أكَّد فضيلة أ.د. نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، أن هذا اللقاء يعد من اللقاءات التي يعتز كثيرًا بالمشاركة فيها، موضحًا أن ذلك يرجع إلى جانب شخصي يتمثل في علاقته الطيبة بنيافة الأنبا إرميا، وجانب عام يتمثل في أهمية الموضوع الذي يكشف عن جوانب متعددة تتعلق بحقيقة الدين، ويزيل ما لحق به من افتراءات، موضحًا أن الدين في حقيقته هو خطاب إلهي موجَّه إلى الناس على يد الأنبياء، وأن هذا الخطاب جاء ليؤكد ثلاثة أمور؛ الأمر الأول: أن الرسالات السماوية اتفقت على أصول عقدية تحدد إطار العلاقة بين الخالق والمخلوق، والثاني: الاتفاق على أصول العبادات بوصفها التطبيق العملي والأثر الحقيقي لحسن العقيدة، أما الأمر الثالث: فيتمثل في الثمرة الأخلاقية والسلوكية الناتجة عن هذه الأصول العقدية والتشريعية.
وبيَّن فضيلته أن الدين بمعناه العام يقوم على الاستسلام والخضوع لله تعالى، وهو المعنى الذي تجسِّده شريعة الإسلام، مؤكدًا أن جميع الشرائع السابقة جاءت لتحقيق هذا المقصد ذاته، وأنها اتفقت جميعًا على أصل العقيدة القائم على الإيمان بإله واحد ومعبود واحد، وأن هذا المعنى تجلى بوضوح في وصية السيد المسيح عليه السلام الكبرى، كما تجلى في الرسالة المحمدية حين أعلن النبي صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف: 110]، مضيفًا أنه عند استعراض الشرائع السماوية نجد أن الصلاة موجودة في جميع الشرائع مع اختلاف الكيفيات، كما أن القيم الأخلاقية المشتركة، مثل الوصايا العشر، تؤكد وحدة الأصل والمنهج، وإن تعددت السبل المؤدية إليه.
وتطرق مفتي الجمهورية إلى الوثائق النبوية التي حفظت حقوق غير المسلمين، موضحًا أن المتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يدرك أنه انطلق من المشترك الإنساني، استنادًا إلى الحقيقة القرآنية التي تقر بأن الأصل الإنساني واحد، وهو ما يفتح المجال لتحقيق العيش المشترك رغم الاختلاف المذهبي أو العقدي أو الديني، مستعرضًا عددًا من النماذج العملية، من بينها توجيه النبي أصحابه بالهجرة إلى الحبشة عندما اشتد الأذى عليهم في مكة، معللًا ذلك بوجود ملك «لا يُظلم عنده أحد»، وهو ما يعكس قيمة العدل الإنساني في التعامل، فضلًا عن موقف النجاشي الذي رفض تسليم المسلمين رغم ضغوط قريش، وأكرم وفادتهم، مشيرًا إلى وثيقة المدينة التي أكدت أن سكان المدينة شركاء في المسؤولية المدنية، لهم حقوق وعليهم واجبات، بالإضافة إلى وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في حال الحرب بعدم التعرض للشيوخ أو العُبَّاد أو الرهبان أو الأطفال، وعدم هدم البيوت.
وفي سياق ذي صلة تحدَّث مفتي الجمهورية عن الإمام الليث بن سعد، فقيه المصريين، مشيرًا إلى أنه دعا إلى بناء دور العبادة للمخالفين في العقيدة وحمايتها، وكان له العديد من الفتاوى التي تؤسِّس لفقه التعايش، موضحًا أن دار الإفتاء المصرية أنشأت مركزًا خاصًّا يحمل اسم الإمام الليث بن سعد، انطلاقًا من اهتمامها بقضايا الوطن والمواطن، وإحياءً لفقه هذا الإمام الذي قيل عنه إنه كان أفقه من الإمام الشافعي، غير أن أتباعه لم يحفظوا مذهبه، وعليه يأتي هذا المركز لتأكيد أن فكرة التعايش ليست طارئة أو مستحدثة، بل ممتدة ومتجذرة في الشريعة الإسلامية وفي تاريخ الدولة المصرية، مشيرًا إلى وجود تعاون قائم بين بيت العائلة المصرية ومركز الإمام الليث بن سعد لفقه التعايش، على أن يتم خلال الأيام المقبلة الإعلان عن حزمة من المشروعات المشتركة.
من جانبه أكد نيافة الأنبا إرميا، الأسقف العام، رئيس المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، أن اليوم العالمي للتعايش، الذي أقرته الأمم المتحدة، يعكس رمزية دولية لترسيخ قيم السلام والاحترام المتبادل، مشيرًا إلى أن المشترك الإنساني بين الأديان يمثل قاعدة أخلاقية للتقارب بين الشعوب، تنطلق من إنسانية الإنسان بوصفه قيمة مركزية في كل فكر، وأوضح أن الاختلاف قيمة إنسانية أصيلة وفضيلة لا مذمة، وأن التعددية الفكرية والدينية والثقافية حالة طبيعية وسنة كونية، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي يكمن في وعي الإنسان وقدرته على إدارة هذا الاختلاف بشكل رشيد، مشيرًا إلى أن من يقرأ الأديان قراءة واعية يدرك أنها تتوافق وتتكاتف ولا تتناحر، فالإسلام قدم أنموذجًا حيًّا للتعايش السلمي، قائمًا على مبدأ السلام، بدليل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، ما يؤكد أن الله أراد للبشر التعارف رغم اختلاف العقائد والمذاهب والانتماءات. كما رسخ الإسلام مبدأ التعددية في قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} [هود: 118]، ولم يبح القتال إلا في موضع واحد للدفاع ورد الاعتداء، مؤكدًا تحريم قتل النفس البريئة.
وتناول نيافة الأنبا إرميا التاريخ الديني، موضحًا أن الروايات تؤكد عدم إجبار النبي محمد صلى الله عليه وسلم مخالفيه على الدخول في الإسلام، وأن الحياة المشتركة راسخة منذ نشأة الأديان، كما أن دستور المدينة أرسى مبدأ الدفاع المشترك بين المسلمين واليهود والمسيحيين، وهو ما تعزز لاحقًا في وثيقة الصلح ومعاهدة عمر بن الخطاب. أما عن المسيحية، فأوضح أن السيد المسيح قدَّم فكرًا معتدلًا قائمًا على قَبول التعددية والانفتاح على الآخر، وتعامل مع الجميع، وشفى المرضى دون تمييز، ووجَّه تعاليمه لكل الناس، داعيًا إلى المحبة وصناعة السلام، مؤكدًا أن القيم المسيحية تحض على نبذ القتل والكذب والاعتداء. وفي حديثه عن بيت العائلة المصرية، صرح نيافة الأنبا إرميا أن الفضل في تأسيسه يعود إلى فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، واصفًا إياه بـ«الحاضر الغائب»، لما يتمتع به من وعي ومواقف ثابتة لا تتغير بتغير الأزمنة.
وحول آفاق التعاون بين بيت العائلة ودار الإفتاء، ومركز الإمام الليث بن سعد، كشف نيافة الأنبا إرميا عن قرب إنتاج بودكاست مشترك بين علماء دار الإفتاء ورجال الدين المسيحي.
وفي ختام الندوة، أكد د. محمود عبد الرحمن، عضو المكتب الفني لمفتي الجمهورية، مدير الجلسة، أن التعايش في التجربة المصرية لم يكن يومًا شعارًا نظريًا أو حالة طارئة، بل هو ممارسة تاريخية تشكّلت عبر قرون من العيش المشترك، حيث بُنيت الهوية الوطنية على فكرة الشراكة لا الغلبة، وعلى احترام التنوع، موضحًا أن قوة الأنموذج المصري لا تكمن في إنكار الاختلاف، وإنما في إدارته إدارة واعية تجعل منه مصدرَ ثراءٍ اجتماعيٍّ وثقافي، لا سببًا للصدام، مشددًا على أن الأديان في جوهرها أسست لقيم المواطنة والعدل والكرامة الإنسانية، وأن الحفاظ على هذا التوازن مسؤولية مشتركة تتطلب وعيًا مجتمعيًا يحمي وحدة الوطن ويصون نسيجه الإنساني.
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.










