أحدث الأخبار
أراء وكتابمنوعات

قصة قصيرة .. “اختباء”

بقلم: سعد جمعة

في المقهى المُعلّق بين اليابسة وما لم يُحسم بعد، جلس رجل في العقد الرابع، كأنه وُضع هناك لا ليستريح، بل ليُختبر. البحر أمامه لم يكن مشهداً، بل احتمالاً مؤجلاً؛ صفحةً رمادية تتدرب على أن تكون نهاية أو بداية، دون أن تحسم موقفها.
كانت المنضدة أمامه أقل ارتفاعاً من ذاكرته، وأكثر صلابة من يقينه. وضع عليها القلم كما توضع أداة طقسية، لا للكتابة، بل للاستدعاء. الورقة بيضاء، لا لأنها خالية، بل لأنها ترفض أن تشهد مرة أخرى.
قال للقلم دون أن ينظر إليه:
– كل ما لا نعيشه يعود في هيئة جملة.
لم تكن هي امرأة بقدر ما كانت فراغاً منظماً. غابت دون فعلٍ صريح، كأنها سحبت نفسها من النص وتركته ينهار لغوياً. لم تُغلق باباً، بل أزاحت مفصله. ومنذ ذلك الحين، صار الاشياء تتحرك دون أن يصل.
رفع رأسه نحو السماء، فلم يجدها. وجد سطحاً شاسعاً من الادعاء الأزرق.
تمتم
– هذا الاتساع لا يعني الحرية، أحياناً يكون مجرد طريقة أنيقة للاختباء.
البحر، في رمزيته الثقيلة، لم يكن ماءً، بل ذاكرةً بلا ترتيب. كل موجة تُعيد صياغة السؤال نفسه: ماذا يبقى حين يُسحب المعنى من العلاقة؟ تذكر الأصوات الجانبية – لم تكن شخوصاً، بل تشويشاً همسٌ متكرر جعل الحب يبدو فكرةً غير عملية، وجعل الثقة خطأً إجرائياً
سأل نفسه
– متى بدأ الانكسار؟
أجابت
– حين صدقنا الشرح أكثر من الشعور!.
في الجهة الأخرى من ذاكرته، جلست امرأة في العقد الرابع أيضا، لكنها بدت خارج الحساب الزمني. لم تكن شاهداً، بل مرآة متأخرة. لم تراقبه؛ كانت تراقب ما يتسرب منه – هواجس وأفكار –
اقتربت، وقالت دون مقدمات، كمن يقرأ من هامشٍ غير مرئي:
– أنت لا تكتب كي تفهم.
سكتت لحظة.
– أنت تكتب كي لا تنتهي.
نظر إليها بين فكره متأملاً للحظة، وفي صوته بقايا مقاومة:
– وهل النهاية عيب؟
قالت:
– العيب أن نُسمي التكرار وفاءً.

.. ساد صمتٌ لم يكن فراغاً، بل ضغطاً. أدرك فجأة أن الورقة ليست مساحة اعتراف، بل حلبة. كل كلمة يضعها تمنح الغياب سبباً إضافياً للبقاء. طوى الورقة كما تُطوى خريطة فقدت صلاحيتها، لا غضباً، بل اعترافاً بانتهاء الطريق.
تقدّم نحو الشرفة. الريح لم تهب؛ كانت تنتظر.
قال لها، لا للبحر:
– أسترد اسمي من الجملة.
ثم أضاف:
– وأترك لكِ ما ليس لي.
أفلت الورقة. لم تغرق. تفككت. تحوّلت إلى بياضٍ سائل، بلا ذاكرة، بلا شاهد.
عاد إلى المنضدة، وترك القلم ممدداً، كجهازٍ أُغلق بعد طول تشغيل. التفت إلى المرأة في ذهنه، فوجد مقعدها فارغاً. لم يتفاجأ. بعض الرموز لا تبقى بعد أداء وظيفتها.
خرج من المقهى، ومشى على الرمل. كان البحر خلفه، لا بوصفه هروباً، بل تحديداً للمسافة. أدرك أن أقسى أشكال القوة ليست في البوح، ولا في الصمت، بل في سحب المعنى من الشيء الذي كان يستمد وجوده منك.
تابع السير، بلا رغبة في التدوين.
فبعض لحظات النجاة لا تُكتب…
لأنها تحدث حين نتوقف عن أن نكون نصاً.

القاهرة – الثلاثاء

27- 1 – 2026


اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا