
حكاية عقلٍ أنجب فكرة ما لا تشبهه، فأنجبت منه ما يشبهها.
لم أعرف متى بدأت أمي تخاف مني.
كنت أظن أن الخوف يسكن الشوارع البعيدة، في العناوين الثقيلة التي أعود بها كل مساء، لا في البيت.
كانت أختي الكبرى تقول إن الأشياء واضحة. تشير إلى المنضدة: خشب. تشير إلى النافذة: زجاج. تشير إليّ: خطأ في الحساب. ثم تمضي، كأن العالم يمكن ترتيبه إذا وُضعت له أسماء دقيقة.
أما أختي الصغرى فكانت تسأل المرآة كل ليلة:
– من أنا؟
ثم تبكي لأن الانعكاس لا يتقدم خطوة واحدة نحوها.
وأنا…
كنت أملك غرفة.
لا أحد يعرف عنها شيئاً. حتى أمي لم تكن تراها، لكنها كانت تسمع صوت المفتاح في جيبي.
الغرفة بلا نافذة. جدار واحد فقط، عليه مرآة، وكرسي خشبي لا أذكر من وضعه هناك أول مرة. أدخلها حين يضيق صدري، وأجلس.
لا أسأل المرآة كثيراً.
أنظر فقط.
في الخارج كانت أمي تعدّ الشاي كلما عدت متأخراً. لا تسألني أين كنت. تسألني إن كنت سأذهب غداً. أقول:
– ربما
فتضع كوباً إضافياً على الترابيزة، كأن أحداً سيأتي معنا.
مرة سألتني، وصوتها أخف من البخار:
– هل تخاف هناك؟
لم أجب بسرعة. كنت أفكر إن كان الخوف شيئاً يحدث، أو شيئاً نختاره.
– قلت: أحيانًا
هزّت رأسها كما لو أن الإجابة صحيحة.
كبرنا، لكن البيت لم يتسع.
أختي الكبرى ازدادت حِدة. صارت تمشي في الغرف كمن يحمل مسطرة.
بينما الصغرى ما زالت تتعثر في اسمها.
أما أمي فبدأت تنظر إلينا كما لو أننا مرايا متقابلة، وكل واحدة تعكس الأخرى بلا نهاية.
في مساءٍ بارد، دخلت غرفتي. جلست أمام المرآة. لم أجد وجهي وحده. خلف كتفي ظل لم يكن لي. التفت، فلم يكن هناك أحد.
في اليوم التالي مرضت أمي.
البيت صار أبطأ.
الأصوات أخف.
الستائر أثقل.
جلستُ إلى جانب سريرها. كانت تُحدّق في السقف، كأن هناك كتابة لا أراها.
قالت فجأة:
– المفتاح.
أخرجته من جيبي. وضعته في كفها.
أغلقت أصابعها عليه بصعوبة، ثم أعادته إليّ.
همست: ليس لتخرج
انتظرت بقية الجملة.
لم تقلها.
في الليلة التي ماتت فيها، لم أبكِ.
وقفت في الممر طويلاً، والباب أمامي. لم يكن مُغلقاً، ومع ذلك احتجت المفتاح.
دخلت.
الغرفة كما هي.
الكرسي.
المرآة.
جلست.
كان وجهي شاحباً، كأن أحداً أزال منه طبقة رفيعة من المعنى.
انتظرت السؤال المعتاد، لكنه لم يأتِ.
بدلاً منه، خطر لي شيء آخر:
– ماذا لو أن الغرفة لم تكن لي وحدي؟
اقتربت من المرآة.
في عمق الزجاج، خلف كتفي، لمحت بياضاً خفيفاً. لم يكن شكلاً واضحاً، ولا صورة مكتملة. كان أثر جلوسٍ قديم على الكرسي.
مددت يدي. لم ألمس إلا الهواء.
تذكرتُ الكوب الإضافي الذي كانت تضعه على الترابيزة امي.
تذكرتُ أنها لم تسألني يوماً عما أبحث عنه هناك.
فهمتُ أخيراً الجملة التي لم تكملها.
المفتاح ليس لتخرج.
المفتاح لتعرف أن الباب لم يكن باباً.
في الصباح، فتحت نافذة غرفتي الحقيقية. دخل ضوء شاحب، لم يُبدد الظل تماماً، لكنه جعله أقل حِدة.
أختي الكبرى كانت ترتّب الكتب، كعادتها، تحاول أن تُصلح العالم بزاوية قائمة.
بينما الصغرى وقفت أمام المرآة، لم تبكِ هذه المرة. كانت تلمس الزجاج بأطراف أصابعها، كأنها تتدرب على اسم جديد.
عدتُ إلى غرفتي الأخرى.
جلست.
لم أسأل: هل أنا صادق؟
لم أسأل: لماذا أعيش؟
نظرتُ فقط.
في عمق الانعكاس، كان هناك مكان يتسع لشخصين.
وضعت المفتاح في جيبي، ولم أعد أستخدمه.
صار الباب يعرفني.
وصرت، للمرة الأولى، أدخل
دون أن أشعر أنني سجين لأفكاري!
القاهرة – الأربعاء –
11-2-2026
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.










