أحدث الأخبار
أراء وكتابمنوعات

قصة قصيرة .. “شفافية قاسية”

بقلم: سعد جمعة

يوم شعرتُ بألمٍ ليس لي. اكتشفتُ متأخراً أنني فقدتُ قدرتي على الألم…

لم يحدث ذلك دفعةً واحدة، بل على هيئة محوٍ بطيء، كما تتلاشى كتابةٌ قديمة على حجرٍ تُمرِّر عليه الأيام أصابعها – فلا تزول دفعة، بل تنحتُ نفسها خارج الذاكرة ببطء، حتى تصبح اللغة التي كانت تفهمها الروح أجنبية –
لم أشعر بالانطفاء حين بدأ، لأن الأشياء حين تغيب تدريجياً، لا تودّع.
كنتُ أظن أنني أعيش، لكنني في الحقيقة كنتُ أمرّ عبر حياتي… كما يمرّ الضوء عبر زجاجٍ نظيفٍ مُعتم:
لا ينكسر، ولا يترك أثراً.
– وهكذا كنتُ: نوراً بلا حرارة، حضوراً بلا وزن. –

قبل هذه الشفافية القاسية، كان هناك ما يُعكر صفوي… ما يُثبتني.
قلبٌ آخر، كان يرى في كل كسرٍ احتمالاً للإصلاح، وفي كل فوضى بدايةً لشكلٍ أجمل.
كانت تؤمن بالعالم أكثر مما ينبغي… وكنتُ أختبئ من الإيمان خلف عقلٍ بارد.
وكان عقلُها، بالمقابل، يرى ما لا أراه: أن الحب لا يُفهم، بل يُعاش. وأن الثقة ليست سذاجة، بل شجاعة لا أملكها.
انتهى ما بيننا بسبب كلمة.
كلمة لم تكن الأشد قسوة، لكنها قيلت في اللحظة التي لا تحتمل أقل قدرٍ من الخطأ.
كان يمكن أن أعتذر.
كان يمكن أن أتراجع خطوة واحدة.
لكنني اخترتُ أن أتقدم خطوتين إلى الأمام… في الاتجاه الخطأ.
رحلت.
وتركتني كما لم أكن أتوقع:
لا مكسوراً… بل شفافًاً.

تخيلتُ أن الصلابة انتصار. لكنني كنتُ مثل جدارٍ صامدٍ في وجه عاصفة… وبعد أن مرت العاصفة، اكتشفتُ أنني لست قوياً، بل فقط فارغ. العاصفة لم تكسرني لأنني لم أكن أملك ما يُكسر.

لم أشتق.
لم أندم.
لم أفتقد حتى صوتها.
كان ذلك أخطر ما حدث.
لأنني لم أعد أتألم…
ومن لا يتألم، لا يُمس.
– وتعلمتُ أن الجسم قد يحترق والروح باردة. وأن السلام الذي لا يأتي من مواجهة الألم، هو سلام الموتى-.

صرتُ أرى العالم من خلف طبقةٍ غير مرئية، تفصلني عنه دون أن تحجبه.
أرى، أفهم، أُجيب… لكنني لا أشارك.
كنتُ حاضراً.
لكن بلا انعكاس.
.. في يومٍ عادي، دخلتُ مكاناً عن غير قصد..
كانت هناك.
رأيتها جالسة قُرب نافذة، يفصلها عن الشارع زجاجٌ مبلل بالمطر.
لحظة رأيتها، توقفت عن التفكير. وهذا هو الخطر الحقيقي: أن يعجز العقل عن حمايتك من نفسك.
للحظة، لم أعرف إن كنت أراها… أم أرى انعكاسها.
ثم رأيت يدها.
ارتجافة خفيفة، كأنها تصطدم بشيءٍ لا يراه أحد.
ثم دمعة، انزلقت ببطء، تاركة خطاً شفافاً على وجنتيها… يشبه ذلك الزجاج بيننا.
وفي تلك اللحظة
لأول مرة منذ سنوات..
لم أكن خلف الزجاج.
شعرت.
ثِقَلٌ بارد، دقيق، يتسرب إلى صدري، كما لو أن شقاً خفياً فُتح أخيرًا.
احتجتُ لحظة لأفهم:
هذا ليس ألمي… لكنه وجد طريقه إليّ.
– وكأن قلبي تذكر فجأة أن له وظيفة غير الضخ، وظيفة اسمها: أن ينكسر –
جلستُ أمامها.
رفعت عينيها نحوي، دون دهشة.
كأنني لم أغب… بل تأخرت فقط.
قلت:
– فهم الآن… لكن بعد أن صار الفهم بلا جدوى.
لم تُجب.
كان صمتها أكثر وضوحاً من أي عتاب.
قلت:
– كنت أظن أنني نجوت لأنني لم أتألم.
ثم:
– لكنني لم أكن ناجياً… كنتُ مجرد سطحٍ لا يحتفظ بشيء.
نظرت إليّ طويلاً، ثم قالت:
– أتعرف ما الذي كسرني؟ أنك لم تتردد. غادرت… وكأنني لا أترك أثراً فيك.
أغمضتُ عيني لحظة، وقلت:
– لم أترك لكِ فرصة لتري ارتباكي… لأنني لم أحتمل أن أراه أنا.
سألت:
– ولماذا أنت هنا الآن؟
نظرتُ إلى الزجاج خلفها، إلى المطر الذي يحاول عبوره ولا يستطيع، وقلت:
– لأن شيئاً فيَّ انكسر أخيراً … وسمح لما أشعر به أن يعبر.
لم تبتسم.
لكنها لم تنظر بعيداً.
قالت:
– تأخرت.
قلت:
– أعرف. لكن هل تعلمين ما هو أسوأ من التأخر؟ أن تأتي ولا تجد من ينتظر. أنتِ هنا. وهذا يكفي لأن يجعل التأخر لا يهم.
قالت:
– وماذا أصبحت؟
قلت:
– لم أعد شفافاً… لقد اكتسبتُ ظلاً أخيراً.
ثم اردفت:
– إنساناً… على الأقل بما يكفي ليتألم.
لم نعد كما كنا.
ولم نحاول.
بعض الأشياء لا تعود، لكنها تترك شقوقاً تسمح للنور بالدخول.
(وتلك الشقوق هي ندوبنا الحقيقية. ليست علامات ضعف، بل فتحات تنفس للروح.)
في طريقي، كان كل شيء كما هو، إلا أنني لم أعد أراه من خلف زجاج.
كان الألم حاضراً، واضحاً، وثقيلاً …
لكنه، للمرة الأولى، كان دليلاً لا عبئاً.

أدركت أنني حين توقفتُ عن الألم، لم أشفَ…
بل تحولتُ إلى شيءٍ لا يُكسر… ولا يُحب.
وأن ما شعرتُ به هناك.. ذلك الوجع الذي لم يكن لي..
لم يكن ضعفاً.
بل كان الشقّ الأول في ذلك الزجاج.

فكرت في كل السنوات التي قضيتها لا أشعر. لم تكن حياة، كانت تعليقاً. كنتُ أشبه بكتاب مفتوح على صفحة واحدة، يكرر فيها نفس الجملة: “أنا بخير”. بينما الحقيقة أنني لم أكن بخير ولا سيئاً… كنتُ غير موجود. والعودة من هذا العدم أصعب من العودة من أي جرح. لأن الجرح له اسم، وألمه مكان. أما العدم… فليس له عنوان.
ابتسمت. ليس لأن شيئاً أصبح سهلاً… بل لأن الثقل نفسه كان دليلاً أنني حي.
لأنني فهمت أخيراً:
أن أسوأ ما قد يحدث لنا ليس أن تنكسر قلوبنا… بل أن نصبح شفّافين إلى حدّ لا يترك فينا شيئًا… ولا نترك أثراً في أحد.

كانت السماء تمطر، لكنني لم أبحث عن مظلة. تركتُ المطر يبللني… لأن المطر أخيراً كان يشعر بي، وأنا به. في تلك اللحظة، أدركتُ أن الشفافية التي كنت أظنها قوة، لم تكن سوى غياب. وأن الألم الذي هربتُ منه طويلاً… كان في انتظاري هناك – ليس كعدو، بل كصديق لم أكن أعرف أنني بحاجة إليه – ، على وجه امرأة علمتني، دون أن تقصد، أن نهاية التبلد ليست فرحاً… بل رغبة في البكاء دون خجل.
(وربما لهذا السبب، ولأول مرة منذ سنوات، تركتُ دمعةً واحدة تسقط بحرية… لم تكن دمعتي. كانت عودةً إلى الحياة عبر الباب الخلفي للألم.)

القاهرة – الأحد
5-6-2026


اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا