أحدث الأخبار
أراء وكتابمنوعات

قصة قصيرة .. “صمتٌ يوقظ الحياة”

بقلم: سعد جمعة

لم يبدأ الأمر بحثاً عن الحكمة، بل ضجراً من الحياة، حين تثقل حتى يبدو النهار أطول من احتماله.
في مساءٍ خافت، جلس عند حافة حديقة قديمة، حيث تتكئ الأشجار على صمتها ككائنات هرِمة أنهكها الزمن. كانت المدينة خلفه تضجّ كبحرٍ لا يهدأ، لكنه شعر لأول مرة أن الضجيج الحقيقي ليس هناك، بل في رأسه.
اقترب منه رجلٌ مُسن، بطيء الخطوات، كأن الزمن يمشي فيه أكثر مما يمشي هو في الزمن. وقف لحظة، ثم قال بصوتٍ هادئ:
– هل جربت أن تُصغي إلى الصمت؟
لم يجب. بدا السؤال بسيطاً، لكنه أثقل من أن يُهمل. أغمض عينيه، لا لينام، بل ليمنح الفوضى في داخله فرصةً كي تتعب من الركض.
عندئذٍ حدث ما يشبه انحسار المد.
الأفكار التي كانت تضرب رأسه كأمواج متلاحقة بدأت تتراجع. لم تختفِ دفعةً واحدة، لكنها فقدت حدتها شيئاً فشيئاً، حتى بدا أن طبقة من غبار الأيام تُغسل عن الروح ببطء مهيب. خف شيء داخله لم يكن يعرف اسمه، كأن قلبه كان يحمل حجراً صغيراً منذ زمن، والآن فقط تنبه إلى سقوطه.
فتح عينيه.
لم يجد الرجل المُسن.
لكن الصمت استمر، واسعاً كسماء بلا حدود.
صار يعود إلى المكان نفسه في أمسيات متتابعة، كما يعود المرء إلى نبع اكتشفه مصادفة في صحراء عطشي. لم يكن يفعل شيئاً سوى الجلوس، وترك العالم يمر عبره دون أن يقاومه.
ومع الأيام، أدرك أن الصمت ليس فراغاً كما ظن، بل أداة دقيقة تعمل في الخفاء.
في سكونه كانت الأفكار تتصفى كما يتصفى الماء بعد عكر طويل. الأشياء التي كانت تبدو غامضة بدأت تستعيد ملامحها، كأن النور يتسرب إليها من مكان غير مرئي.
كان الذهن أشبه بأرض طال إهمالها، فجاء التأمل كمحراث صبور يشق تربتها، ويقلب ما تراكم فيها من شرود وتبعثر. ومن تلك الشقوق الصغيرة بدأت تنبت بذور التركيز، حتى صار النهار أكثر خصباً، والخطوات نحو المقاصد أقل ارتباكاً.
غير أن التحول الأعمق لم يكن في الفكر، بل في أعماق أبعد.
في إحدى الجلسات، انفتح في داخله مخزن قديم للذكريات. خرجت منه مخاوف مؤجلة، وكآبات لم يُتح لها أن تُروى، كأنها أشياء احتُجزت طويلاً في صندوق مغلق. لكنه لم يفرّ منها هذه المرة. جلس معها كما يجلس المرءُ مع ظلاله حين تطول في آخر النهار.
وإذ بها تخفّ.
كأن الصمت ليس سكوتاً، بل حكمة تنمو حين يُفسح لها المكان.
ومع مرور الأيام، صار الليل نفسه يكتسب معنى جديداً.
بعد نهار مثقل بالعمل والتعب، كان يجلس قبل النوم كما يجلس مسافر أخيراً في حجرته بعد مسافة طويلة. يطلق مع الزفير بقايا الإرهاق، فتسترخي الأعصاب شيئاً فشيئاً، حتى يشعر أن جسده كله يرسو في ميناء هادئ.
عندئذ يأتي النوم بلا مقاومة، كما تهبط طيور البحر إلى أعشاشها عند الغروب.
ومع اتساع التجربة، اكتشف أن النفس ليست سطحاً شفافاً كما ظن، بل قارة خفية تتبدل تضاريسها كلما تأملها المرء بصدق.
كلما عرف منها شيئاً، تغيّرت نظرته إلى العالم.
الأحكام التي كانت تتعجل صارت تتريث، والغضب الذي كان يشتعل سريعاً صار يتردد قبل أن يندلع. أدرك أن الطريقة التي يرى بها ذاته هي العدسة التي يرى بها الآخرين، وأن صفاء الداخل ينساب خفية في مجرى العلاقات كما ينساب الماء في جذور الأشجار.
بل إن الجسد نفسه بدا وكأنه يتنصت إلى ذلك السلام.
في لحظات التأمل هذه، كانت نبضات القلب تنتظم كإيقاع قديم يستعيد موسيقاه الأولى، ويتحرك الدم في العروق بليونة كأنه يتذكر طريقه الطبيعي بعد طول اضطراب.
هناك فهم شيئاً لم يخطر له من قبل: أن السكينة التي تروي الروح تمتد خفية إلى الجسد أيضاً.
وفي مساء بعيد بعد عام كامل، عاد إلى الحديقة ذاتها.
جلس في المكان نفسه، تحت الشجرة نفسها. كان الهواء أكثر لطفاً، والمدينة أقل صخباً مما كانت في ذاكرته. أغمض عينيه، كما اعتاد.
لكن شيئاً غريباً حدث حين فتحهما.
رأى شاباً يجلس غير بعيد عنه، يمسك رأسه بيديه كأن الضجيج في داخله يكاد يمزقه. كان المشهد مألوفاً على نحوٍ مقلق، كأنه صورة قديمة خرجت من الذاكرة.
تردد لحظة، ثم اقترب منه ببطء. وقف أمامه، وشعر لسبب لا يعرفه أن الكلمات التي سيقولها ليست اختياره تماماً.
قال بصوت هادئ:
– هل جرّبت أن تُصغي إلى الصمت؟
رفع الشاب رأسه بدهشة.
وفي تلك اللحظة، حين انعكس وجهه في عيني الشاب، ارتجف قلبه فجأة.
كان الشاب يشبهه… كما يشبه المرء صورته القديمة.
عاد إلى المقعد مرتبكاً، وأغمض عينيه مرة أخرى.
عندئذٍ فقط فهم الحقيقة التي هبطت عليه كبرق بارد:
الرجل المُسن الذي سأله عن الصمت في تلك الليلة البعيدة… لم يكن غريباً. كان هو نفسه ، لكن بعد أعوام لم يعشها بعد.

القاهرة – السبت
14-3-2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا