أحدث الأخبار
أراء وكتابمنوعات

قصة قصيرة “لحظة انتباه”

بقلم : سعد جمعة

كانت غرفة الجلوس تغرق في وهجٍ بارد لا يُدفئ شيئاً. رائحة البنّ المحمص مُعلقة في الهواء كذكرى بعيدة، والزمن ينساب ببطءٍ ثقيل، كأنه يؤجل لحظة اعتراف لا يرغب أحد في سماعها. لم يكن المشهد اجتماعاً عائلياً بقدر ما كان وقوفاً متوازياً لأجسادٍ حاضرة .. وأرواحٍ بعيدة. أضاءت الشاشات البيضاء وجوههم بنورٍ قمري، فبدوا كأيقونات حيّة مُعلقة في لحظة انتظار لا تنتهي.
الأب، الغارق في كرسيه الأنيق، كان إبهامه يعبر القارات في ومضة. يطالع أخبار غرباء، ويقرأ حكايات لن تطرق بابه أبداً، بينما المسافة القصيرة بينه وبين زوجته على الكنبة المجاورة تمددت كهوةٍ صامتة. زوجته، بدورها، كانت تنسج بأصابعها عالماً موازياً على شاشة الهاتف؛ وشاحاً من الضوء يوهمها بالرفقة، فيما يشتد برد الوحدة في صدرها. أما الابنة، فكانت تنقر على زجاج عالمها الشفاف، ترسل ابتسامات برموز تعبيرية إلى صديقة لا تفصلها عنها سوى جدران البيت، بينما تتكدس الكلمات الحقيقية في حلقها بلا طريق للخروج.
كان البيت مكتمل الاتصال … وفارغ الحضور. صمتٌ كثيف يسوده، مشحونٌ بطنينٍ خفيّ صادر عن أجهزة تعمل بلا روح. الجميع متصل، ولا أحد يصل.
في جهةٍ أخرى من الشقة، داخل شقتهم العالية التي تحاصرها الواجهات الزجاجية، يعيش ابنهم في عزلة تامة عنهم ، ابنٌ مخلص لعصر الاتصال الدائم. غرفته مختبر للضوء الخافت، والموسيقي، تتكاثر فيها الشاشات كأعشاشٍ لطائرٍ فقد غريزته. يعرف تفاصيل حياة غرباء في أقاصي الأرض، يعرف ما يحبون وما يكرهون، لكنه لم يسمع صوت جاره الذي يشاركه الجدار منذ أعوام. كان غارقاً في تناقضٍ موجع: تخمة من الصور، ومجاعة من اللمس. حياته شبكة علاقات لا تؤدي إلى ودٍ حقيقي، ونوافذ مفتوحة لا تطل إلا على مرايا ذاته.
ثم حدث ما لم يكن في الحسبان.
لم تنطفئ الشاشات. بل انقطع الاتصال. لكن شيئاً ما غاب.
توقفت الإشعارات.
لا أرقام تقفز.
لا ردود.
لا إعجابات، ولا اهتمامات!
المنصات لا تعمل، صامتة، كمدينةٍ بلا صدى. المنشورات مُعلقة في فراغٍ بارد، لا تسقط ولا تُلتقط. كان الاتصال قائماً، كاملاً، ومع ذلك… كان الاعتراف غائباً
في غرفة الجلوس، رفعت الابنة هاتفها مراراً. لا شيء. حدّقت الأم في الشاشة، أعادت التحديث، انتظرت. الأب نظر إلى جهازه ثم إلى السقف، كمن ينتظر صوتاً تأخر أكثر مما ينبغي. تسلل القلق ببطء. ليس خوفاً من الانقطاع، بل من الفراغ. من ألّا يكون هناك من يرى.
سقط الهاتف من يد الابنة على الأرض. قالت، بصوتٍ متردد، كأنه يجرب الهواء لأول مرة:
– ماما…
التفتت الأم. لا شاشة بينهما. لا ضوء وسيط.
– نعم؟
خرجت الكلمة دافئة، غير مختصرة، فارتبكت الابنة. لم تجد رمزاً يختصر شعورها. نظرت فقط. اقتربت. كان القرب غريباً، غير مريح في البداية، لكنه حقيقي.
مد الأب يده، دون وعي، وأمسك بيد زوجته. تماس الجلد كان صدمة صغيرة؛ دفء غير متوقع في عالم اعتاد البرودة. لم يقل شيئاً. لم يحتج.
في الحجرة الزجاجية، كان الشاب يُحدق في شاشته كما لو أنها خانته. لا أحد هناك. لا اشعار رقمي يلوح. شعر فجأة بثقل الغرفة، بثقل جسده. فتح باب شرفته. دخل هواء الليل، غير مصفى. لمح في الشرفة المجاورة رجلاً مسناً يقف صامتاً.
تردد لحظة، ثم قال بصوتٍ غير مصقول:
– هل… تشعر بالصمت؟
التفت الرجل، ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال:
– نعم. منذ وقتٍ طويل.
في تلك اللحظة، فهم الشاب ما لم تعلمه إياه أي شاشة: أن ظلاً بشرياً واحداً، حاضراً، مرتجفاً، أثمن من ألف تفاعلٍ مؤجل.
بعد ساعات، عادت الإشعارات. قفزت الأرقام. عاد الضجيج.
لكن شيئاً ما لم يعد.
في غرفة الجلوس، وضع الهاتف جانباً. ليس احتجاجاً، ولا قراراً معلناً، بل لأنه فقد فجأة جاذبيته المطلقة. جلسوا قريبين، دون حاجة لملء الفراغ. الفراغ نفسه صار مساحة مشتركة.
كانوا قد لمسوا ما هو أعمق من ضوء الشاشات:
دفءَ يدٍ لا تومض،
وصوتاً لا يُختصر،
وحضوراً لا يحتاج إلى شاهد.
ومنذ تلك الليلة، لم يعودوا يخشون الصمت. فقد أدركوا – قبل أن يلمسوا الشاشات – أن النور الحقيقي لا يأتي من الشاشة، بل من إنسانٍ يتأمل ثم ينتبه.

القاهرة الخميس
22-1-2026

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا