في الاستوديو الزجاجي المُطل على الحديقة، حيث تُشرق خيوط الصباح على القماشات الممتددة، وقفت الفنانة أمام لوحتها الأخيرة.
كانت تُحدق في مدينة تتشكل بين الألوان ببطء؛ مدينة تبدو كذكرى بعيدة تحاول أن تستعيد شكلها. أبراج شاحبة، نوافذ صغيرة، وأزقة ضيقة تتسلل بينها هالات بشرية لا تظهر ملامحها بوضوح.
رفعت الفرشاة قليلاً، ثم توقفت.
كأن شيئاً منها يتوقف عند حافة اللون ولا يجرؤ على العبور.
تُراجع اللوحة قبل أن تكتمل، يبدو أن شيئاً خفيّاً ما زال يختبئ بين خيوط الألوان، يراقبها بصمت. كانت تشعر أن كل خط ولون يحمل رسالة صغيرة، مغزى لا يلمسه إلا من يقترب من العمل بقلب مفتوح قبل العينين.
في الحديقة كانت طفلة تلهو خارجاً، تطارد ظلها المتناثر بين العشب، ضحكتها تملأ المكان كأنه فضاء واسع بلا نهاية.
توقفت الفنانة لحظة، تنظر إليها من خلف الزجاج، تشعر بخفة حرية لا يعرفها الكبار إلا حين يتذكرونها فجأة.
…
في المساء، أضاء الاستوديو مصابيحه. كان للمصابيح هدوءَها
الخاص، ينساب على الجدران وجوانب اللوحات، يُعانق المكان بشعورٍ من التأمل والرقة.
وقفت الفنانة أمام النقاد والجمهور، تخاطبهم بثقة، عينها ثابتة، تشعّ اعتزازاً بذاتها، كأن كل لوحة تحكي جزءًا من حياتها الداخلية التي لا يعرفها أحد سواها.
حين وقف أحد النقاد أمام لوحتها قال:
– ما أجمل هذه الشاعرية… أليس كذلك؟
ثم ترك الكأس قليلاً على المنضدة وهو يقترب من اللوحة، وكأنه يحاول لمس سرها.
انتهى الافتتاح، وعادت الفنانة إلى البيت وحدها.
في الطريق، كان الهاتف يلمع بين يديها: صور، تعليقات، إعجابات لا تنتهي.
في تلك الصور بدت واضحة، واثقة، مشرقة… أكثر وضوحاً مما تراها في المرآة.
جلست في حديقة بيتها، تنظر إلى القمر.
حاولت أن تحفظ ملامحه في ذاكرتها كي ترسمه لاحقا، ثم ابتسمت. أدركت أن القمر أكبر من أن يُحتوى في لوحة.
أنزلت الهاتف ببطء.
ظلها امتد على العشب أمامها، هادئًا… بلا جمهور.
للمرة الأولى شعرت أن الوجود لا يحتاج إلى تصفيق ليكون حقيقياً.
في الغرفة المجاورة كانت جدتها تقيم. بابها نصف مفتوح، وصوت خطواتها البطيئة يتسلل أحياناً في الممر الفاصل بين الغرفتين.
كانت جدتها فنانة أيضاً في شبابها. لم تعد تمسك الريشة، لكن عينَيها ما زالتا تلتقطان الرسالة الخفية في كل خط ولون، وتفهمان المغزى الفني العميق.
قالت الجدة وهي تجلس بجانبها:
– وُلدت قبل الكهرباء، قبل أن تتحول اللوحات إلى سلع في المزادات. كنا نرسم لنكتشف أنفسنا، لا لنعرضها.
ثم نظرت إليها طويلاً وأضافت:
– أعمالك تصل اليوم إلى أيدي عدد لا يُحصى من الناس… لكن هل ترين نفسك فيها؟
لم تجب.
تحدّقت بعينيها في الأرض، وشعرت أن الغسق الناعم يعيدها تدريجياً إلى جسدها الحقيقي.
وفي تلك اللحظة تذكرته.
خطيبها
ذلك الذي لا يطلب شيئاً، يأتي أحياناً حاملاً علبة ألوان جديدة ، فقط لأنه لاحظ أن ألوانها أوشكت على النفاد.
يجلس ساعات في الاستوديو بصمت، يقرأ أو يعمل، بينما هي ترسم.
يطهو لها حين تراها متعبة، دون انتظار الشكر.
كان يعرف حبها للصمت… ومنحها إياه دون أن تطلب.
تمنت لو كان هنا الآن.
لو أمسك يدها وقال ببساطة:
– ما أجمل هذه الشاعرية… أليس كذلك؟
ثم يعود إلى سكونه المعتاد.
كان صمته مرآة ترى فيها نفسها بوضوح أكبر من أي مرآة حقيقية.
عاد التيار بعد منتصف الليل، وبدأ الهاتف يهتز بالإشعارات.
كان بإمكانها أن تفتح الشاشة وتغرق في الأرقام، لكنها تركته يرتجف على المنضدة… وجلست تراقب ما تبقي من الضوء الخافت قبيل الفجر.
في الصباح دخلت الاستوديو.
كانت الشمس تلامس القماشات، وخطواتها تتقدم ببطء بين اللوحات المكدسة.
بدت تلك الأعمال فجأة غريبة، كأنها رُسمت بيد شخص آخر.
أمسكت ريشة جديدة، وبدأت ترسم من الذاكرة:
امرأة تجلس في حديقة، ينساب ظلها خلفها طويلاً، والهواء يحيط بها برفق.
لم تكن تعرف إن كانت ترسم نفسها… أم جدتها.
بينما كانت غارقة في اللوحة، دخلت طفلة صغيرة من البيت المجاور، كانت تراها كثيراً في الحديقة تطارد ظلها.
وقفت الطفلة أمام اللوحة طويلاً، ثم سألت:
– هل هذه أنتِ؟
ضحكت الفنانة:
– لا أدري.
تأملت الطفلة اللوحة وقالت ببساطة وبراءة:
– لكنها حزينة.
نظرت الفنانة إلى اللوحة مرة أخرى.
نعم… قد تكون في ملامحها شيء من الحزن.
ثم نظرت إلى الطفلة بعينيها الواسعتين، وأدركت فجأة أن هذه الطفلة لا تعرف شيئاً عن المعارض أو النقاد أو المبيعات، لكنها تنطق وتتأمل بالفطرة.
إنها ترى اللوحة كما هي، مرآة صافية لا تخدعها الوساطات.
سألتها الطفلة فجأة:
– لماذا ترسمين؟
ترددت لحظة، ثم قالت:
– لأتنفّس ذاتي… ولأقول شيئاً بالألوان يفهمه كل من يحب الفن الحقيقي.
ابتسمت الطفلة وقالت:
– أنا أعرف من أنا… من غير رسم.
ثم مضت تلهو خارجاً تطارد الفراشات في الحديقة.
ظلت الفنانة واقفة أمام اللوحة.
تذكرت حبيبها مرة أخرى، وكيف ينظر إليها أحياناً نظرة طويلة صامتة، كأنه يراها حقاً … لا كفنانة، ولا كاسمٍ في المعارض، بل كامرأة تبحث عن ذاتها.
كانت تعلم أنه يحبها، ليس لأنه قالها يوماً فهو لم يفعل بل لأنه كان هناك دائماً، في الخلفية… حضورٌ هادئ لا يغيب.
وفي صمته، كانت ترى نفسها بوضوح أكبر من أي مرآة.
عادت إلى غرفتها.
كان الهاتف يومض برسالة من صالة العرض:
– لدينا عرض لشراء اللوحات… ننتظر أعمالك الجديدة.
مرت بجانب هاتفها دون أن تلمسه.
جلست قرب النافذة، وفي زجاجها رأت انعكاس وجهها.
لم يكن الوجه الذي يظهر في صور المعرض، ولا الوجه الذي تبتسم به للكاميرات.
كان وجهاً هادئاً متعباً قليلًا… لكنه صادق.
حدّقت فيه طويلاً.
في سكون.
ثم نهضت لتعد فنجالاً من القهوة، لها ولجدتها
هذه المرة… كانت هناك حقًاً.
وكان التأمل الصامت مرآتها.
القاهرة – الثلاثاء –
3-2-2026
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






