أحدث الأخبار
أخبار

وزير الشؤون الدينية الباكستانى يلقى كلمة أمام مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ويؤكد على أهمية سد الفجوة بين الإيمان والابتكار

كتب: أيمن وصفى

ألقى وزير باكستان للشؤون الدينية “سردار محمد يوسف” كلمة أمام مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، افتتح كلمته بالترحيب بالوزراء، والعلماء الكرام، والباحثين، والمندوبين، وبالحضور الكريم وقال: “إنه لشرف عظيم لي أن أتحدث إلى هذا الجمع الكريم في المؤتمر الدولي العام السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، المنعقد في مدينة القاهرة التاريخية، المدينة التي ظلت لقرون منارةً للعلم الإسلامي والاعتدال والريادة الفكرية في العالم الإسلامي”.

وأود أن أعرب عن خالص امتناني لحكومة جمهورية مصر العربية والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية لعقد هذا المؤتمر المهم والمتطلع للمستقبل تحت شعار “المهن في الإسلام: أثرها ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي”. يعكس هذا الشعار مزيجًا مدروسًا من الحكمة الدينية والرؤية المعاصرة، إذ يتناول أحد أهم التطورات التحولية التي تُشكّل مستقبل البشرية.

يُولي الإسلام مكانةً رفيعةً وقدسيةً للمهن والعمل. ففي تعاليم الإسلام، لا يُعدّ العمل مجرد نشاط اقتصادي، بل هو عبادةٌ إذا أُدّي بأمانة وإتقان ونية صادقة نفع المجتمع. ويؤكد القرآن الكريم مرارًا وتكرارًا على الجهد والمسؤولية والمحاسبة. مارس النبي محمد صلى الله عليه وسلم التجارة بنفسه، وأكد على فضل الكسب الحلال، قائلاً:
“مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ” (صحيح البخاري).
على مر التاريخ، ازدهرت الحضارة الإسلامية بفضل الاحترافية الأخلاقية في مجالات كالعلم والحكم والطب والزراعة والحرف والتجارة، مسترشدةً بقيم العدل والأمانة وخدمة الإنسانية.
كما ينظر الإسلام إلى المهن باعتبارها أدوات حيوية للوئام الاجتماعي والرفاهية الجماعية. فكل مهنة مشروعة، إذا ما استندت إلى مبادئ أخلاقية، تُسهم في تحقيق التوازن والاستقرار في المجتمع. ويؤدي العلماء والقضاة والمعلمون والمهندسون والأطباء والحرفيون والإداريون أدواراً أساسية ومتكاملة في دعم الحضارة الإنسانية. ويؤكد مفهوم فرض الكفاية في الإسلام على أن المجتمع يتحمل مسؤولية جماعية لضمان توافر المهن الأساسية. إن عدم الوفاء بهذه المسؤولية لا يؤدي فقط إلى اختلال التوازن الاقتصادي، بل يؤدي أيضاً إلى التدهور الأخلاقي والاجتماعي.
أيها المشاركون الكرام، إننا نعيش في عصرٍ يُعيد فيه الذكاء الاصطناعي تشكيل المهن والاقتصادات وأنماط التفاعل البشري بوتيرة متسارعة. يُتيح الذكاء الاصطناعي فرصًا غير مسبوقة في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والبحث والحوكمة، وحتى في الخدمات الدينية. وفي الوقت نفسه، يُثير مخاوف أخلاقية جسيمة، من بينها فقدان الوظائف، وإساءة استخدام البيانات، والتحيز الخوارزمي، واحتمالية تآكل القيم الإنسانية. لا يُعارض الإسلام الابتكار، بل يُشجع على طلب العلم والتأمل والاستخدام الأمثل للتكنولوجيا، مع ترسيخ التقدم ضمن حدود أخلاقية راسخة. يُذكرنا القرآن الكريم:

“سخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه” (سورة الجاثية، 45:13).

لذا، يجب فهم التكنولوجيا على أنها أمانة، لا سلطة مطلقة. ينبغي أن يبقى الذكاء الاصطناعي خادمًا للإنسانية، لا سيدًا عليها.

يُقدم الإسلام إطارًا أخلاقيًا شاملًا لتوجيه مستقبل المهن في عصر الذكاء الاصطناعي. يكمن جوهرها في مبدأ الكرامة الإنسانية الذي يقتضي ألا تُقوّض أي تقنية شرف الإنسان أو خصوصيته أو حريته الأخلاقية. ويقتضي العدل ألا تُسهم أنظمة الذكاء الاصطناعي في إدامة عدم المساواة أو الاستغلال أو التمييز. وتستلزم المساءلة عدم إمكانية تفويض القرارات المصيرية بالكامل إلى الآلات دون إشراف بشري فعّال. ويقتضي مبدأ المصلحة العامة أن يخدم الابتكار الصالح العام لا المصالح التجارية أو السياسية الضيقة، بينما تُذكّرنا النية بأن الغاية من التقدم التكنولوجي يجب أن تتوافق دائمًا مع المسؤولية الأخلاقية.
في هذا العصر التحولي، تقع على عاتق المؤسسات الدينية والعلماء مسؤولية بالغة الأهمية. ثمة حاجة ملحة إلى تواصل مستمر بين العلماء والباحثين والتقنيين وصناع السياسات لسد الفجوة بين الإيمان والابتكار. لطالما أظهر الفقه الإسلامي مرونة وعمقًا في الاستجابة للواقع الجديد، ويجب أن يستمر في ذلك بحكمة وتوازن وبُعد نظر. لم يعد إعداد الأجيال القادمة من علماء الدين ذوي المعرفة التكنولوجية، والتقنيين ذوي الوعي الأخلاقي والروحي، خيارًا، بل أصبح ضرورة حتمية في عصرنا.
من منظور باكستان، نُدرك تمامًا ضرورة التوفيق بين القيم الدينية ومتطلبات العمل المعاصرة. وتلتزم وزارة الشؤون الدينية والوئام بين الأديان بتعزيز التعليم الأخلاقي، والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، والحوار البنّاء بين علماء الدين والمهنيين في مختلف التخصصات.

لن يُحدد مستقبل المهن في عصر الذكاء الاصطناعي بالتكنولوجيا وحدها، بل بالقيم التي تُوجه استخدامها. يُقدّم الإسلام بوصلة أخلاقية خالدة، تضمن التقدم دون فقدان الغاية، والابتكار دون ظلم، والكفاءة دون تجريد من الإنسانية. فلنعمل معًا لضمان استمرار مهن المستقبل كأدوات للرحمة والعدل والازدهار الإنساني، وفقًا لتعاليم الإسلام النبيلة.
أدعو الله أن يوفق هذا المؤتمر، وأن يبارك جهودنا الجماعية، وأن يهدي البشرية إلى مستقبلٍ يسير فيه العلم والإيمان جنبًا إلى جنب.

 

 


اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا