كان الغسق، وهو يسلم مفاتيح النهار إلى الليل، يسكب ذهبه المتعب على جبين المدينة.
المطر لا يهطل، بل يتردد، كأنه هو الآخر لا يعرف إن كان ينتمي إلى السماء أم إلى الأرض. أمام الزجاج العالي لمقهى «الملتقى»، بدا الشارع هادئاً كعادته، كأن الضجيج ينسحب منه تاركاً فراغاً يصلح للتفكير. هنا، تختلط رائحة البن بنبرات كلامٍ خافتة، وتستقرّ السكينة لا بوصفها راحة، بل كحالة انتظار.
في الركن الأقرب، عند منضدة ألفت وجوههم، بجتمع الأربعة مساء كل أحد. كان جمعهم وداً خالصاً، و شعورٌ مشترك بأن العالم صار أوسع من أن يُحتوى، وأضيق من أن يُفهم.
الأول في خريف العمر، وقارُه يشبه اعترافاً صامتاً بطول الطريق. يرى العالم من خلف نظارة تعيد ترتيب حدته، كأنها تحميه من فائض الواقع.
الثانية في ربيعٍ يقظ، كاميرتها ودفاترها تبحث عن الغرباء، أولئك الذين يعيشون بين الناس دون أن يُروا.
الثالث في صيفٍ متردد، يقف دائماً على العتبة، لا يدخل في الحياة تماماً ولا ينسحب منها.
أما الرابع، ففي شتاءٍ دافئ، جسده تعب، لكن في عينيه بقايا دهشة لم تستسلم.
قال الرابع، وهو يتأمّل انعكاس الأضواء على الزجاج:
– أتعرفون ما يؤلمني؟ هذا الإحساس بأننا حاضرون… لكن بلا أثر.
قال الثالث:
– كافكا سمى هذا الشعور قبلنا. مدينةٌ تسكنك، لكنها لا تعترف بك. نظامٌ يراك رقماً لا وجهاً
قالت الثانية:
– لهذا أبحث عن الغرباء. كل من قابلتهم يشعر أنه يعيش داخل خريطة، لكن اسمه غير مكتوب عليها.
قال الأول، بهدوء خالٍ من التعزية:
– الاغتراب لا يبدأ من الخارج فقط. أحياناً نشارك في صنعه حين نقبل أن نكون أقلّ مما نقدر.
مرّ صمتٌ ثقيل. في الخارج، عبر شخصٌ تحت مظلّة حمراء، بدا معزولًا عن المشهد، كأنه فكرة لم تجد سياقها.
قال الرابع:
– لكن هل يملك الإنسان خياراً؟
كافكا يقول إن الاغتراب بناءٌ مكتمل: أنظمة، سلطات، لغة لا تُجيب.
قالت الثانية:
– يقولون لي: “نطرق ولا أحد يفتح.” كأن الكلام نفسه صار بلا عنوان.
قال الثالث:
– والكتابة؟
أليست محاولة للخروج؟
حين أكتب، أخلق مكاناً يعترف بي، ولو مؤقتاً.
رفع الأول نظره:
– هنا يختلف نيتشه مع كافكا. الاغتراب ليس قدراً كاملاً. الإنسان لا يُستعاد جاهزاً، بل يُصنع. المشكلة أننا نخاف من مسؤولية الصنع.
اشتدّ المطر قليلاً، ثم هدأ، كما لو أنه فقد حماسه.
قال الرابع:
– طالب كتب لي: “كافكا يجعلني أفهم لماذا أشعر بالضياع، ونيتشه يسألني: ماذا ستفعل بهذا الفهم؟”
قالت الثانية:
– وماذا أجاب؟
قال:
– “سأعيش التناقض. سأشعر بالحصار حين أعمل، وأحلم بالتحرر حين أكتب. وربما، بين الاثنين، أجد ممري الخاص.”
ساد صمتٌ أقل حِدة. أضاءت لافتة خضراء في الشارع، كعلامةٍ لا تعد بالخلاص، لكنها تشير إلى اتجاه.
قال الثالث:
– ربما الاغتراب ليس أن نكون وحدنا، بل أن نعتقد أننا وحدنا.
نهض الرابع، ووضع يده على كتف الثالث:
– كافكا ونيتشه لم يختلفا بقدر ما وصفا وجهين للحالة نفسها. أحدهما سمى القفص، والآخر درب العين على البحث عن شقوقه.
خرجوا واحداً واحداً إلى الهواء الرطب. لم تُحلّ الأسئلة، ولم تُكسر الأقفاص، لكن شيئاً خفّ.
في الداخل، بقيت فناجين القهوة نصف ممتلئة على المنضدة، شاهدةً على أن الاغتراب، حين يُقال بصوتٍ مسموع، يفقد بعض سطوته، ويصير أقلّ وحدة.
القاهرة – الأربعاء
4-2-2026
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.










