
منذ أول لقاءٍ جمعهما، أحس أن الوقت قد أبطأ خطاه احتراماً لتلك اللحظة. لم يكن تعارفاً عابراً، بل انكشافاً داخلياً، كأن نافذةً فُتحت في صدره فدخل منها نورٌ لم يألفه من قبل. حين رآها، لم يفكر في شيء محدد، إنما شعر أن قلبه يعرفها كما تعرف الأرض أول قطرة مطر بعد طول عطش.
تقدّم بخطى مترددة، وقال بصوتٍ خفيض يخشى أن يوقظ هشاشة اللحظة:
– أتعلمين؟
أشعر أنني رأيتكِ من قبل. ابتسمت ابتسامةً وادعة
وقالت:
– ربما في دعاءٍ لم تنتبه أنك دعوتَه.
ضحك بخفوت، غير أنّ كلمتها استقرّت في أعماقه استقرار البذرة في تربة خصبة. ومنذ تلك اللحظة، صار لقاؤهما موعداً مع دهشةٍ تتجدّد، وصار الحديث بينهما نهراً صافياً، لا يعكر صفوه تكلّف ولا ادّعاء.
لكن العالم حولهما لم يكن صامتاً. كانت هناك أصواتٌ تتربّص بما ينمو في الخفاء. قيل له ذات مساء، بنبرةٍ لا تخلو من قسوة:
– لا تُفرط في قلبك، فالأشياء الجميلة لا تدوم. فأجاب، وقد انعقد في عينيه يقين غريب:
– وما قيمة الدوام إن خلا من الجمال؟
وفي المقابل، كان هناك من يبتسم لوهج عينيه ويقول: ٧
– إذا كان حبك صادقاً، فلا تخشَ عليه من الريح؛ الريح لا تقتلع إلا ما كان واهياً. فكان يمضي مطمئناً، كأن تلك الكلمات سياجٌ غير مرئي يحمي هشاشته.
تنامى الحب بينهما في صمتٍ نبيل. كانت تقول له أحياناً:
– أخاف من هذا الشعور … كأنه أكبر من قدرتي على الاحتمال. فيجيبها:
– الحب ليس عبئاً، إنه جناح. إن أثقلكِ، فتعالي نتعلم كيف نطير.
غير أن الريح التي حذروا منها هبّت أخيراً. جاءت ظروف لم يختاراها، وقرارات فُرضت عليهما كما يُفرض الغروب على النهار. في لحظة الوداع، كان الصمت أبلغ من كل بيان. قالت وهي تحاول أن تُخفي ارتجاف صوتها:
– إن ابتعدتُ، فلا تظن أنني اخترت المسافة. فرد، وقلبه يشتعل:
– المسافات لا تُقاس بالأميال، بل بما يبقى في القلب… وأنتِ باقية.
رحلت. وبقي هو في مدينة ازدحمت فجأة بالفراغ. صارت الأيام ثقيلة كالرحى، والليالي مرآةً تعكس وجه الغياب. خاطب نفسه في عتمة غرفته:
– أيمكن للروح أن تنسى روحها؟ فجاءه الجواب من داخله، واضحاً كالنور:
– مستحيل.
تعاقبت عليه نصائح النسيان، بعضها مشوبٌ بشفقة، وبعضها بسخرية خفيّة:
– الحياة تمضي، فلا تقف عند ظل. لكنه كان يهمس:
– إنها ليست ظلاً، إنها الضوء ذاته.
وذات غروبٍ متردد بين الرحيل والبقاء، جلس إلى مكتبه. أمسك القلم كما يُمسك العاشق يد محبوبته للمرة الأولى. كتب:
” إلى التي سكنت الروح فصارت لها وطناً، سلامٌ يعبر إليكِ ولو أُغلقت الطرق. إن كان الجسد بعيداً، فالروح تعرف طريقها.”
وحين فرغ من الكتابة، شعر بسَكينةٍ لم يعهدها منذ رحيلها، كأن الكلمات أدت عنه بعض ما عجز عنه اللقاء. ولما وصلت الرسالة إليها، قرأتها وقلبها يخفق كما كان يخفق في حضرته. همست، وهي تضم الورقة إلى صدرها:
– ما زال هنا… لم يغادر.
وهكذا ظل بينهما خيط خفي، لا تقطعه المسافات ولا تُبليه الأيام. أدركا أن الحب، إذا صدق، لا يحتاج إلى حضورٍ دائم كي يبقى؛ يكفيه أن يُقيم في القلب إقامة الوطن، وأن يظل في الذاكرة صلاةً لا تنقطع.
إنها قصة روحين تعارفتا، فإذا افترقتا ظل التعارف عهداً، وظل الانتظار شكلاً آخر من أشكال اللقاء.
القاهرة – الجمعة
20-2-2026
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.










