
يقول الرياضيون إن الخطّ المستقيم أقصرُ مسافةٍ بين نقطتين، غير أنني تعلّمت، متأخراً، أن القلب لا يخضع لقوانين الهندسة، وأن الاستقامة المطلقة في الحبّ قد تختصر الطريق، لكنها تختصر معه الدهشة أيضاً. كنتُ أؤمن بالوضوح كما يؤمن الناس بالعقائد؛ بالجملة المحكمة التي لا تحتمل تأويلاً، وبالحكاية التي تنقاد لبدايتها كما تنقاد لنهايتها. أنا كاتب مسلم أعيش بين رفوف المخطوطات، أفتّش في بطون القرون عن نص صوفيٍّ منسي، وأحسب أن استعادة الكلمات تعني استعادة الروح.
أمضيتُ سنواتٍ أذرع أزقة المدينة العتيقة بخطى المتأمّل. كنتُ أُصغي إلى صمت الجدران كما يُصغى إلى اعترافٍ خفيض، وأحدق في تشقّقاتها كأن حرفاً سيسقط منها فجأةً ليهديني إلى ضالتي. لم أكن أبحث عن ورقٍ قديم فحسب، بل عن يقينٍ يعيد ترتيب داخلي. وكنتُ أظن أن الطريق، ما دام مستقيماً، فلا بد أن يفضي إلى الحقيقة.
في الجهة التي لم أكن أراها من منظوري الخاص، كانت هي تسير في بحثٍ موازٍ. مُرممة أيقونات قبطية، تحفظ أصابعها ذاكرة الألوان كما تحفظ الشفاه صلوات قديمة. لم تكن تبحث عن رجل، بل عن نقشٍ ذهبيٍّ دقيقٍ استخدمه رسّامٌ بيزنطي ثم مضى بسره. كانت ترى العالم أيقونةً خفت بريقها وتحتاج إلى يدٍ صبورة تعيد إليها إشراقها، لكنها أحياناً كانت تتوقف عند نافذة أو باب مهجور، تلمس الخشب بارتعاش، وكأنها تُحاور روح المكان قبل أن تواصل طريقها.
التقينا في دكانٍ عتيقٍ ضيّق، تتراص فيه المخطوطات واللوحات كما تتراصّ الأزمنة في ذاكرةٍ واحدة. مددتُ يدي إلى لفافةٍ مهملة في اللحظة ذاتها التي رفعت فيها بصرها نحو رفٍّ عالٍ. تعثّرت قدمها، ولا أعرف كيف امتدت يدي – التي لم تعرف إلا ملمس القلم لتطوّق خصرها في انحناءةٍ خاطفة. سقطت المخطوطة من بين أصابعي، وسقط معها يقيني القديم بأن الجمل تُحكم كما تُحكم المصائر.
حين استقرّت بين ذراعي، شعرتُ أنني أمسك بخيطٍ من إشراقٍ لا يُرى. كانت، في عيني، فيضاً من ضوء خرج من لاهوت الجمال ثم اختار أن يتجسّد ناسوتاً قريباً. لم تكن ملامحها حدوداً مرسومة، بل إشعاعاً هادئاً. وجهها صفحةُ نور، إذا تأمّلتها قرأتَ فيها وعداً بالسكينة، وعيناها مرآتان صافيتان تعكسان طُمأنينةً لا تحتاج إلى برهان. وحين ابتسمت، بدا لي أن الفجر قد اختار أن يولد في تلك اللحظة تحديداً، وكأن المدينة نفسها صمتت لتشهد ذلك اللقاء.
قلتُ بصوتٍ لم أعرفه من قبل:
– عذراً… كنتُ أبحث عن قصيدةٍ ضائعة.
أجابت، وهي تستعيد توازنها:
– وأنا كنتُ أبحث عن نقشٍ يُرمّم ابتسامة السيدة العذراء مريم في أيقونةٍ قديمة. يبدو أننا أضعنا كتابينا معاً.
لم أسحب يدي فوراً. كان في الصمت ما يكفي ليعيد ترتيب العالم. تمتمتُ:
– ظننتُ أن الحقيقة طريق مستقيم لا يحتمل الانحناء.
ابتسمت، وقالت برفقٍ يشبه نسمةً عابرة:
– والاستقامة جميلة… لكنها لا تُنبت ظلاً. الشجرة تحتاج انحناءة خفيفة كي تعانق الضوء.
خرجنا من الدكان العتيق معاً. كان المساء ينحدر على المدينة بطمأنينة، والمصابيح تتوهج كنجوم صغيرة قريبة. البلاط الأسفلتي تحت أقدامنا محتفظ بحرارة العابرين، والهواء يحمل رائحة الخبز الطازج وندى الليل الأول، وابتسامة بائعة الفاكهة من بعيد تمر بسلام على المارة.
سرنا متجاورين، وبيننا تلك المسافة التي لا تُقاس بالخطوات بل بالارتباك الجميل. قلتُ وأنا أراقب انعكاس الضوء على وجهها:
– وهل ترين لقاءنا انحناءة؟
أجابت بعد صمتٍ قصير:
– أراه التفاتةً رحيمةً من القدر… كأن الطريق تعب من صرامته فقرّر أن يبتسم.
توقفنا عند مفترقٍ صغير؛ إلى اليمين يمتد الطريق نحو مسجدٍ قديم، وإلى اليسار ترتفع قباب كنيسةٍ عتيقة. نظرنا إلى المفترق، ثم إلى بعضنا، وابتسمنا دون حرج.
قلتُ ممازحاً:
– يبدو أن المدينة تختبر شجاعتنا.
قالت:
– بل تمنحنا فرصة أن نمشي في الاتجاهين… كلٌّ إلى صلاته، ثم نلتقي عند الدعاء.
سألتها:
– ألا تخافين اختلاف الطريق؟
هزّت رأسها:
– أخاف فقط أن نخافه. أمّا الطريق نفسه… فالله أوسع منه.
كانت كلماتها تفتح في داخلي نوافذ لم أعرف أنها مغلقة. أدركتُ أنني لم أكن أبحث عن قصيدةٍ فحسب، بل عن جرأةٍ جديدة في فهم المعنى. وأنها لم تكن تبحث عن نقشٍ ذهبي فقط، بل عن ضوء يُكمل لوحتها الداخلية.
افترقنا تلك الليلة عند المفترق ذاته، لا كمن يودع، بل كمن يؤجل الكلام. وحين ابتعدت، لم أشعر بفقدٍ، بل بامتلاء؛ كأن حضورها لم يكن جسداً يسير أمامي، بل إشراقاً استقرّ في صدري.
في الأيام التالية تبدلت الأشياء. الأزقّة التي اعتدتُ عبورها صامتةً صارت تنبض بحكاياتٍ محتملة. النوافذ العالية لم تعد خشباً وزجاجاً، بل عيوناً تترقّب لقاءً لم تكتمل فصوله. وكل مصباحٍ ليلي صار يذكرني بأن الضوء، مهما كان خافتاً، يكفي ليدل قلبين على بعضهما.
وحين التقينا مجدداً، سألتني:
– لو لم أتعثر تلك اللحظة… هل كنّا سنلتقي؟
أجبتُ بعد تفكير:
– ربما… لكننا كنا سنمر كما تمر السطور المستقيمة: بلا دهشة.
قالت، وهي تبتسم ابتسامةً تشبه صلاةً قصيرة:
– إذن فليحفظ الله تعثراتنا الجميلة.
منذ ذلك التعثر تغيّر مساري كما يتغير مجرى نهرٍ حين تعترضه صخرة. لم أعد أبحث عن البلاغة في اكتمال الجملة، بل في الصمت الذي يتخللها. صرتُ أرى في صلاتها أمام الأيقونة خشوعاً يشبه خشوعي في محرابي، وأدرك أن الأسماء قد تتعدد، لكن النداء واحد.
لم نتوقّف عن البحث لأننا وجدنا المخطوطة أو عثرنا على سر النقش، بل لأننا أدركنا أن أثمن ما في الرحلة لم يكن الهدف، بل ذلك اللقاء الذي عطل يقيننا القديم. تعلمتُ أن الاستقامة ليست دائماً فضيلة، وأن التعثر قد يكون هدايةً مستترة.
اليوم، حين أستعيد الحكاية، لا أراها قصة حبٍّ عابرة، بل شهادةً على أن النور حين يفيض من علٍ لا يسأل عن اختلاف القباب والمآذن، بل يبحث عن قلبٍ يتّسع له. أدركتُ أن الحياة لا تُعاش بالكتب وحدها، بل بالخطوات التي تضل الطريق لتقودنا – على غير موعد – إلى من يشبهوننا في جوهر الإنسانية.
وأدركتُ أخيراً أن أقصر المسافات ليست بين نقطتين،
بل بين قلبين حين يُقرران أن يثقا بالنور.
القاهرة – الأثنين –
23-2-2026
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.










