في حيٍّ قديم من أحياء المدينة، حيث تسكن الأرواح في الحجارة، وتتنفس الأزقةُ حكاياتٍ عتيقة، يقع الأتيليه. غرفةٌ فسيحة، تعلوها قبةٌ زجاجيةٌ محكمة، تتدفق منها أشعة الشمس كشلالٍ ذهبي، تلامس منحوتاتٍ رخامية ولوحاتٍ زيتية تستند إلى الجدران. نوافذها ذات ستائر شفافة تحجب الغبار دون أن تعيق الضوء، فيما تفوح في الأرجاء رائحة الزيوت والأصباغ ممزوجة بعبق القهوة الأصيلة، فيتشكّل فضاءٌ مغمور بنشوة الإبداع وصفاء الحكمة.
على كراسٍ من الخشب المصقول، اعتاد أربعة أن يجتمعوا: فنان قدير، تنعكس تجاعيد الزمن في عينيه، يقرأ في كتاب قديم وكأنه يقلب صفحات الوجود. وفنانة شابة، تقلب مجلةً فنية بشغف المتعطشة للمعنى. ورجل أنيق الهيئة، يتأمل لوحة باهتة وكأنما يزنها بميزان خفي. وفنان هادئ الطلعة، ينحت الخشب بأناة، كأنما يصافح جوهره.
في ظهيرة صيفية، وبينما الضوء يتسلل من القبة الزجاجية، دار بينهم حديث كعادتهم، تفتّحت فيه أسئلة الفكر والاختلاف.
قالت الفنانة الشابة بحماسة:
“الحقيقة مطلقة، لا تتعدد ولا تتبدل. وما عداها أوهام وظلال.”
ابتسم الرجل الأنيق وقال بنبرة الخبير:
“أليست الشمس نفسها تختلف باختلاف من يراها؟ تارةً حارقة وتارة دافئة. الحقائق، كلوحات الفن، تتغير حسب زوايا النظر ومواضع الضوء.”
رفع الفنان الهادئ رأسه وقال:
“أرسم الوجه الواحد بعشرين لونًا. مرةً بألوان الغضب، ومرة بألوان الحنان. فأيّها الوجه الحقيقي؟ كلها وجوه صادقة. فالحقيقة مرآة ذات أوجهٍ لا تُحصى.”
هزّ الفنان القدير رأسه كمن يستعيد عقودًا من التجربة، ثم قال:
“سبحان من خلقكم مختلفين، في الألوان، واللغات، واللكنات، والثقافات. حتى الفصول لا تتشابه فوق رؤوسكم، والرياح تحمل لكم أنغامًا شتّى. وهو الرزّاق الكريم، لم يكلّفكم فوق طاقتكم، بل جعل العبادة في متناول يومكم، لا مؤجلة إلى غدٍ مجهول.”
ساد صمت مهيب، لا يقطعه سوى نسيم خفيف يتسلل من النوافذ، وصوت الإزميل وهو يلامس الخشب.
قالت الفنانة الشابة، وقد خفّ صوتها:
“لكن كيف أقبل بفكرةٍ أراها خطأ، بينما يراها غيري صوابًا؟”
أجابها الرجل الأنيق:
لأنك تخلطين بين – أنت مخطئة وأنا على صواب – قد نكون جميعًا محقين من زوايانا، أو مخطئين معًا. الغرور أن يرى الإنسان نفسه مقياسًا للحقيقة.
وأضاف الفنان الهادئ:
لا أنفر من أحد إلا إن تطرف وتعصب. بعد ذلك، فليكن ما يكون. لا تسخر من مقدساتي، ولا أسخر من مقدساتك. الاحترام المتبادل هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع.
قالت الفنانة كأنما تكتشف أمرًا جديدًا: لكن كيف لا يضيق صدري بآراء تناقض قناعاتي؟
فأجابها الفنان القدير وقد لمعت عيناه ببريق التجربة: لأن صدركِ ينبغي أن يتسع للكون بأسره. كما أن آرائي لا تُلغي آراءك. الاختلاف ليس عيبًا، بل هو آية من آيات الإبداع الإلهي، ونسيج متين في بناء هذا الكون.
في تلك اللحظة، أدار الفنان لوحته الكبيرة. كانت تجسّد الأتيليه نفسه: القبة الزجاجية، أشعة الشمس، الأربعة جالسون، كلٌّ بلون مختلف وملامح متباينة، لكنهم معًا يشكلون لوحة واحدة متناغمة.
نظروا جميعًا إلى اللوحة، وفهموا بصمت: أن الاختلاف هو النغمة الأولى في لحن الوجود. وأن السعي لتوحيد الجميع على نغمةٍ واحدة، لا يفقر التنوع فحسب، بل يُفقد الجمال روحه.
لم يكن الأتيليه مجرّد مرسم، بل معبدًا صغيرًا للإبداع والتسامح. وكانت الحوارات التي تدور بين جدرانه، بين المختلفين، هي أجمل لوحة ترسمها يد الحكمة.
ففي الاختلاف تنوع، وفي التنوع غنى، وفي الحوار… حياة.
القاهرة – الأثنين
25/8/2025
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.










