أحدث الأخبار
سفارات وشؤون خارجية

حميدي المطيري يدعو إلى صناعة معرفة عربية مستقلة بالصين… ويطرح الكويت نموذجاً رائداً للعلاقات الثقافية

كتبت: سحر رجب

 

في قاعة امتلأت بالحضور، وقف “حميدي المطيري” الأمين العام السابق لرابطة الأدباء الكويتيين، ليحدثهم عن حكاية قديمة جديدة.

حكاية بدأت قبل قرون حين كانت القوافل تقطع المسافات الشاسعة بين الشرق والغرب، ولم يكن طريق الحرير طريقاً للحرير وحده، بل كانت تسير عليه البضائع، ومعها الأفكار والحكايات والمعارف.

كان الإنسان يحمل ثقافته ويرحل، ويعود محمّلاً بشيء من ثقافة الآخر.

من ذلك اللقاء القديم بين العرب والصينيين، انطلق المطيري في كلمته حول توارث وتطوير الدراسات الصينية في الدول العربية، متخذاً من العلاقات الثقافية بين الكويت والصين دراسة حالة ونموذجاً.

قال إننا اليوم أمام طريق حرير من نوع آخر. لا تعبره القوافل وحدها، بل تعبره الجامعات والكتب والترجمات والباحثون والأدباء والأفكار.

وحديثنا عن الدراسات الصينية، في جوهره، حديث عن الذاكرة والمستقبل معاً. ماذا ورثنا من معرفة عن الصين؟ وكيف نحافظ على ما أنجزه الرواد؟

والأهم: ماذا سنضيف نحن، وماذا سيضيف الجيل الذي يأتي بعدنا؟

من التجارة إلى الأكاديميا… رحلة المعرفة العربية بالصين

راح المطيري يرسم مشهد التطور.

من التواصل القديم عبر طرق التجارة والدبلوماسية، انتقلت معرفة العرب بالصين في صورتها الحديثة إلى الكتب والترجمات والدراسات الأكاديمية.

ومع منتصف القرن العشرين ظهرت بواكير أكثر انتظاماً للاهتمام العربي بالصين، وإن ظل جانب كبير منها في بداياته مرتبطاً بجهود فردية وترجمات أدبية وتاريخية محدودة.

لكن المشهد تغير بوضوح مع التحولات الكبرى التي شهدها العالم، ولا سيما مع صعود الصين الاقتصادي في العقود الأخيرة من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين.

عندها لم تعد الصين بالنسبة إلى الباحث العربي حضارة بعيدة نقرأ تاريخها وفلسفتها فحسب، بل أصبحت تجربة معاصرة تستحق الدراسة والفهم والتحليل.

وهكذا اتسعت الدراسات الصينية عربياً. لم تعد اللغة والأدب والتاريخ مجالاتها الوحيدة، بل دخلت إليها أسئلة الاقتصاد السياسي والتنمية، والتخطيط الاستراتيجي، والعلاقات الدولية والدبلوماسية، والسياسة الخارجية الصينية، ومبادرة «الحزام والطريق»، إلى جانب الفلسفة والفكر والموروث الكونفوشي والتاوي، ومحاولة فهم أثر هذه المكونات الحضارية في المجتمع الصيني المعاصر.

وتجسد هذا التحول في توسع تعليم اللغة الصينية في عدد من الجامعات العربية، ونشوء برامج ومراكز بحثية متخصصة، وازدياد الاهتمام الأكاديمي بالصين وقضاياها.

التحدي الحقيقي: أن نصنع معرفة عربية بالصين… لا أن نستهلكها

لكن المطيري توقف عند نقطة مفصلية.

قال إن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد في معرفة الصين فحسب، وإنما في صناعة معرفة عربية بالصين.

هنا يصبح مفهوم «التوارث» مهماً.

فالمعرفة لا ينبغي أن تبدأ من جديد مع كل جيل. لقد أمضى باحثون ومترجمون وأكاديميون عرب سنوات طويلة في دراسة اللغة الصينية، وترجمة الأدب، وقراءة التاريخ والفكر والمجتمع الصيني.

وهذه التجارب تمثل ثروة معرفية ينبغي ألا تبقى متفرقة في الكتب والمكتبات والتجارب الفردية، ثم تتراجع برحيل أصحابها.

نحن بحاجة، كما قال، إلى أن تتحول هذه التجارب إلى ذاكرة معرفية عربية منظمة؛ ذاكرة تجمع الكتب والدراسات والترجمات والوثائق والشهادات، وتتيح للباحث الشاب أن يبدأ من النقطة التي وصل إليها من سبقه، لا أن يبدأ الطريق من أوله في كل مرة.

لكن التوارث وحده لا يكفي. فإذا ورث الجيل الجديد المعرفة كما هي، من دون أن يناقشها أو يطورها، فإننا نكون قد حفظنا الماضي ولم نصنع المستقبل.

ولهذا يجب أن يقترن التوارث دائماً بالتطوير.

الصين التي ندرسها اليوم… ليست الصين التي درسها الرواد

الصين التي كان يدرسها الباحث العربي قبل خمسين عاماً ليست هي الصين التي نراها اليوم.

لقد تغير المجتمع، وتغير الاقتصاد، وتغيرت المدن ووسائل الاتصال وأنماط الحياة، وأصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي جزءاً من المشهد الصيني المعاصر.

ولهذا فإن الدراسات الصينية في العالم العربي مطالبة بأن تتوسع.

نحتاج إلى دراسة الأدب والتاريخ والفلسفة، بالتأكيد، ولكننا نحتاج أيضاً إلى دراسة الإنسان الصيني المعاصر: كيف يعيش؟ وكيف يفكر؟ وما الذي يشغله؟ وكيف يرى العالم؟ وكيف أثرت التحولات الاقتصادية والتقنية الهائلة في حياته وثقافته وعلاقته بالمجتمع؟

وهنا يأتي البعد الثقافي باعتباره واحداً من أهم ركائز استدامة الدراسات الصينية وتطويرها.

فالثقافة لم تعد مجرد وسيلة للتعارف الدبلوماسي بين الشعوب، وإنما أصبحت حقلاً معرفياً قائماً بذاته، يمكن من خلاله فهم الهوية الصينية والبنى الفكرية والقيمية التي تشكل المجتمع.

كما اتسعت الدراسات الثقافية لتتناول القوة الناعمة، والصناعات الإبداعية، والفنون، والإعلام، وأساليب التواصل الحضاري التي تقدم الصين من خلالها نفسها إلى العالم.

الأدب… حين يدخل القارئ بيتاً صينياً ويجلس مع أسرة

وهنا تحدث القاص والكاتب. قال المطيري إن الأدب يستطيع أن يؤدي دوراً بالغ الأهمية.

فالسياسة تخبرنا كيف تتعامل الدول، والاقتصاد يخبرنا كيف تتحرك الأسواق، لكن الأدب يخبرنا كيف يعيش الإنسان.

عندما يقرأ قصة لكاتب صيني، فهو لا يقرأ تقريراً عن الصين، بل يدخل بيتاً صينياً، ويجلس مع أسرة، ويرى مدينة من الداخل، ويتعرف إلى خوف الإنسان وأمله وحبه وذاكرته. وحين يقرأ القارئ الصيني قصة أو رواية عربية، فإنه يستطيع بالطريقة ذاتها أن يرى الإنسان العربي بعيداً عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.

ومن هنا فإن تطوير الدراسات الصينية يجب أن يسير بالتوازي مع تطوير حركة الترجمة المباشرة بين العربية والصينية.

فكلما استطعنا أن نقرأ الآخر بلغته، اقتربنا أكثر من صوته الحقيقي.

نحن بحاجة إلى جيل من الباحثين العرب يستطيع الرجوع إلى المصادر الصينية الأصلية، لا أن يعتمد دائماً على لغة ثالثة تنقل له ما كتب عن الصين.

وفي الاتجاه الآخر، نحتاج أيضاً إلى مترجمين وباحثين صينيين يقرأون الأدب والفكر العربي بلغته الأصلية؛ لأن العلاقة الثقافية الحقيقية لا يمكن أن تكون في اتجاه واحد.

نحن نريد أن نعرف الصين، ولكننا نريد للصين أيضاً أن تعرفنا.

الكويت… أول دولة خليجية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين

وإذا كنا نبحث عن نموذج عربي يمكن من خلاله قراءة هذا التقارب الثقافي، فإن العلاقات الكويتية الصينية تقدم نموذجاً جديراً بالتوقف عنده.

فالكويت تمتلك خصوصية تاريخية في علاقتها مع الصين، إذ كانت أول دولة خليجية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1971.

ولم تتوقف هذه العلاقة عند حدود السياسة والاقتصاد، بل اتسعت تدريجياً لتشمل مساحات ثقافية وإنسانية وتعليمية متعددة.

وهذا أمر مهم؛ لأن العلاقات بين الدول قد تبدأ بالمصالح، لكن العلاقات بين الشعوب لا تستمر طويلاً من دون معرفة متبادلة.

وقد شهدت الساحة الكويتية صوراً مختلفة من التواصل الثقافي مع الصين، من خلال الأنشطة والفعاليات والمعارض واللقاءات الثقافية، وما تقوم به المؤسسات الثقافية الكويتية بالتعاون مع الجهات الصينية من فتح نوافذ للتعرف إلى الثقافة والفنون الصينية.

وهذه الفعاليات لا ينبغي أن ننظر إليها بوصفها مناسبات بروتوكولية عابرة فقط، وإنما بوصفها جزءاً من عملية أعمق لصناعة المعرفة بالآخر.

فالمعرض الفني، والفيلم، والكتاب المترجم، والأمسية الأدبية، واللقاء بين كاتبين من ثقافتين مختلفتين، جميعها أدوات معرفية قد تكون أحياناً أكثر قدرة على تقريب الشعوب من عشرات الخطابات الرسمية.

وتملك الكويت في هذا المجال رصيداً ثقافياً مهماً.
فقد كان لمؤسساتها ومجلاتها ومشروعاتها في النشر والترجمة حضور عربي واسع على مدى عقود، وهو ما يؤهلها لأن تؤدي دوراً أكبر في بناء جسور ثقافية مع الصين.

ويمكن أن يتم ذلك من خلال فتح مساحة أوسع للأدب الصيني في المنابر الثقافية الكويتية، وتشجيع الترجمة المباشرة من الصينية وإليها، واستضافة الأدباء والباحثين والمترجمين، وفي المقابل العمل على إيصال الأدب الكويتي والخليجي والعربي إلى القارئ الصيني.

جيل جديد… يعود بتجربة إنسانية لا بشهادة فقط

وللجانب الأكاديمي والشبابي أهمية خاصة.

فالطلاب الكويتيون والعرب الذين يدرسون في الصين أو يشاركون في برامج التبادل الأكاديمي واللغوي لا يعودون بشهادة جامعية أو بإجادة لغة فحسب؛ بل يعودون بتجربة إنسانية ومعرفية تشكل جسراً جديداً بين المجتمعين.

ومن هنا تأتي أهمية دعم جيل جديد من الباحثين العرب القادرين على قراءة الصين من داخل لغتها وثقافتها، ومن خلال الاحتكاك المباشر بالمجتمع، لا من خلال المراجع المترجمة وحدها.

فالاستثمار في العلاقة مع الصين لا ينبغي أن يكون استثماراً في التجارة والاقتصاد فقط، بل ينبغي أن يكون أيضاً استثماراً في المعرفة والإنسان.

الحلم الكبير: مدرسة عربية للدراسات الصينية

وفي تقدير المطيري، فإن أحد طموحاتنا الكبرى في المرحلة المقبلة يجب أن يكون الوصول إلى ما يمكن أن نسميه «مدرسة عربية للدراسات الصينية».

مدرسة لها باحثوها ومترجموها ومراكزها وقواعد بياناتها ومناهجها وأسئلتها الخاصة.
لا تكتفي بنقل ما يكتبه الآخرون عن الصين، وإنما تنتج معرفة عربية مستقلة بها.

وهذا يتطلب تعاون الجامعات والمراكز البحثية والمؤسسات الثقافية العربية، من الخليج إلى المحيط، بدلاً من بقاء الجهود متفرقة؛ ويتطلب كذلك برامج مشتركة مع الجامعات الصينية، وتبادلاً للباحثين والطلاب، ومشروعات ترجمة مشتركة، وإشرافاً أكاديمياً متبادلاً، ومؤتمرات لا تنتهي بانتهاء جلساتها، بل تتحول توصياتها إلى مشروعات معرفية مستمرة.

كما أن الجيل الجديد يمتلك اليوم أدوات لم تكن متاحة لمن سبقه. فالمكتبات الرقمية والاتصال المباشر والذكاء الاصطناعي وتقنيات الترجمة الحديثة تستطيع أن تختصر الكثير من المسافات.

لكن علينا ألا ننسى أن التكنولوجيا، مهما تطورت، تظل أداة.

فلا شيء يعوض الباحث الذي يعرف اللغة، ويفهم التاريخ، ويعيش الثقافة، ويقرأ النص في سياقه، ويستطيع أن يرى ما وراء الكلمات.

الخاتمة… اذهبوا أبعد منا

وقبل أن يختتم كلمته، عاد المطيري إلى الصورة الأولى: طريق الحرير. قال إنه منذ قرون، كان طريق الحرير يحتاج إلى قافلة كي يحمل المعرفة من الصين إلى العالم العربي، ومن العالم العربي إلى الصين.

أما اليوم، فلم نعد بحاجة إلى شهور أو سنوات كي تعبر الفكرة تلك المسافة.

لكننا ما زلنا بحاجة إلى شيء لم تستطع التكنولوجيا أن تختصره: الرغبة في معرفة الآخر.

وهذه، في اعتقاده، هي المهمة الحقيقية للدراسات الصينية في عالمنا العربي.

أن نحفظ ما صنعه الرواد، وأن ننقله إلى الجيل الجديد، ولكن ألا نطلب من هذا الجيل أن يكررنا.

بل أن نقول له: هذه هي الكتب التي كتبناها، وهذه هي الترجمات التي أنجزناها، وهذه هي الطرق التي سلكناها، وهذه هي الأسئلة التي حاولنا الإجابة عنها… والآن، اذهبوا أنتم أبعد منا.

فالمعرفة التي لا تنتقل تموت، والمعرفة التي تنتقل ولا تتطور تتجمد، أما المعرفة التي تنتقل من جيل إلى جيل، ويضيف إليها كل جيل رؤيته وتجربته وأسئلته، فهي التي تتحول إلى حضارة.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لمستقبل العلاقات العربية الصينية ليس أن نترك للأجيال القادمة طريق حرير جاهزاً فحسب، بل أن نمنحها المعرفة والشجاعة والفضول… لكي تصنع طرقها الخاصة.

"حميدي المطيري" الأمين العام السابق لرابطة الأدباء الكويتيين
“حميدي المطيري” الأمين العام السابق لرابطة الأدباء الكويتيين

 


اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا