ليس الوارد من قبيل المُبالغة بالقول إن إستسهال الحلول في قطاع التعليم هو أخطر ما يواجه إستقرار الدولة المـصــرية .. فإعتماد (نظام المعلم بالحصة) كحل هيكلي لسد العجز في المدارس ليس مجرد إجراء إداري فحسب، ولكنه إنعكاس لأزمة رؤية تحولت فيها أقدس مهنة في الوجود إلى مجرد للأسف (سلعة) تخضع لقوانين العرض والطلب اليومي في علم الإقتصاد والتُجاريات.

وعلي هذا السياق فإننا اليوم أمام معضلة بنيوية بإمتياز؛ حيث يتم تفريغ العملية التعليمية من مضمونها التربوي، والإرتباط الوجداني والمهني بين المُعلم والطالب، ليحل محلها للأسف (عامل باليومية) ينتظر نهاية الحصة ليقبض أجراً؛ لا يكاد يغطي تكاليف المواصلات، فاقداً لأي أفق وظيفي أو إستقرار إجتماعي.
وعلى هذا النهج فإن هذا التوجه يُرسخ ثقافة التعليم المؤقت، وينتج جيلاً من المعلمين يشعرون بالغربة داخل مؤسساتهم؛ فكيف نطالب بمُعلم أن يُبدع أو يغرس قيماً أو يقود مشروعاً نهضوياً، وهو يعيش هاجس البحث عن مهنة أخرى لتأمين قوت يومه ؟ !!!
وعلي مُجمل كل هذا و بالمختصر دون إطالة، فإن الدولة التي تبني مستقبلها على عقود الإستهلاك البشري السريع للكوادر التعليمية هي في الحقيقة تستهلك مستقبل أجيالها ببطء، وتوهم نفسها بأنها تغطي عجزاً .. بينما هي تخلق فجوة تعليمية يصعب ردمها أو تدارك حلها .. حيث يغيب الإنتماء وتصبح المدرسة مجرد للأسف (محطة عبور)، لا حاضنة للفكر، مما يجعل من إصلاح التعليم في ظل هذه الآليات ضرباً من المستحيل في نهج سياسات التخطيط إلي المسار الصحيح.
وعلي ختام القول؛ فالإستثمار في العقول يتطلب إستقراراً في النفوس قبل الأجور، وما نشهده اليوم ليس إلا ترحيلاً لتجنب حلول الأزمات، إلى إختلاق جيل سيتحمل لاحقاً دفع فاتورة هذا التردي التراكمي، في تلك السياسات غير السوية في عدالتها.
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.










