خلال كلمة المفتى في ورشة “النوازل العقدية في الفكر المعاصر وموقف الإسلام منها”.. يؤكد: تجديد الخطاب الديني يتحقق بتطوير وسائل العرض وآليات الفهم دون المساس بثوابت العقيدة وأصولها
كتب: أيمن وصفى
• دراسة النوازل العقدية ضرورة علمية لحماية الهُوية وتعزيز الأمن الفكري في ظل التحولات الفكرية المتسارعة
• الخطاب العقدي مطالَب بمواكبة القضايا المستجدة وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والإلحاد الجديد والميتافيرس والهندسة الوراثية
• المؤسسات العلمية والإفتائية مطالبة بتبنِّي مشروع مؤسسي دائم لرصد النوازل العقدية وصياغة معالجات علمية رصينة
• إعداد استراتيجية متكاملة وموسوعة علمية معاصرة للنوازل العقدية خطوة أساسية لبناء خطاب ديني يجمع بين التأصيل وفقه الواقع

أكَّد الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي جمهورية مصر العربية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن دراسة النوازل العقدية أصبحت من القضايا المحورية التي يفرضها الواقع الفكري المعاصر في ظل التحولات المعرفية والحضارية المتسارعة، موضحًا أن العقيدة الإسلامية تمثل الأساس الذي تُبنى عليه شخصية الإنسان، وتنطلق منه منظومة القيم والأخلاق، بما يحقق التوازن بين متطلبات الحياة المادية والروحية، ويرسخ دعائم البناء الحضاري القائم على الحق والخير والعمران.
جاء ذلك خلال كلمته في ورشة «النوازل العقدية في الفكر المعاصر وموقف الإسلام منها»، بالتعاون بين دار الإفتاء المصرية ومركز ومسجد المجادلة بدولة قطر، لعدد من الباحثين المهتمين بالدراسات العقدية والفكرية بدار الإفتاء المصرية وأعضاء هيئة التدريس بجامعة الأزهر.
وأوضح مفتي الجمهورية أن الحضارات المادية، على الرغم مما حققته من إنجازات تقنية وعلمية، لم تستطع إشباع الاحتياجات الروحية للإنسان، الأمر الذي أفسح المجال لانتشار أفكار وسلوكيات تتعارض مع الفطرة السليمة والقيم الدينية، في حين جاءت العقيدة الإسلامية بمنهج متكامل ينظم علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبمجتمعه، ويؤسس لشخصية متوازنة قادرة على ترسيخ قيم العدل والتكافل والسلام، بما يجعلها صالحة لهداية الإنسان في كل زمان ومكان.
وبيَّن مفتي الجمهورية أن العالم يشهد اليوم تحولات غير مسبوقة أعادت تشكيل مصادر المعرفة وأنماط التفكير، حتى أصبحت الشبهات العقدية تنتشر بسرعة عبر المنصات الرقمية ووسائل الإعلام الحديثة بعد أن كانت حبيسة المؤلفات المتخصصة، وهو ما يفرض على المؤسسات العلمية والدعوية تطوير أدواتها، والانتقال من مجرد استدعاء الأجوبة التراثية إلى إعادة تفعيلها في ضوء معطيات العصر، وبناء خطاب عقدي قادر على استيعاب الأسئلة الجديدة والإجابة عنها بمنهج علمي يجمع بين قوة البرهان وفقه الواقع.
وأشار إلى أن مفهوم النوازل في التراث الإسلامي ارتبط بالوقائع والمسائل المستجدة التي تستوجب الاجتهاد لاستنباط أحكامها، إلا أن التحولات الفكرية والمعرفية المعاصرة أفرزت نوعًا جديدًا من النوازل يتعلق بأصول الاعتقاد، ويتمثل في القضايا والإشكالات التي مست العقيدة الإسلامية، سواء كانت مستحدثة في أصلها أو أعيد إنتاجها في صور جديدة بفعل تطور الفلسفات والعلوم والثورة الرقمية، مؤكدًا أن هذه النوازل تجاوزت الإطار الأكاديمي لتصبح عنصرًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام وصناعة الوعي المجتمعي.
وأضاف أن النوازل العقدية لم تعد تقتصر على المسائل الكلامية التقليدية، وإنما امتدت لتشمل الإلحاد الجديد، واللاأدرية، والإنسانوية، والنسبية الأخلاقية، وما بعد الحداثة، والذكاء الاصطناعي، والميتافيرس، والهندسة الوراثية، وفلسفة الوعي، والعلاقة بين الدين والعلم، وغيرها من القضايا التي تستلزم خطابًا عقديًّا معاصرًا يمتلك أدوات معرفية وإعلامية وتقنية قادرة على مخاطبة الإنسان بلغته، مع الحفاظ الكامل على ثوابت العقيدة وأصولها. مشيرًا إلى أن الاكتفاء باستحضار الأجوبة التي صيغت لمعالجة سياقات تاريخية مختلفة قد يحد من فاعلية الخطاب العقدي إذا لم يقترن بفهم طبيعة الأسئلة الجديدة وخلفياتها الفكرية والفلسفية، موضحًا أن الجواب الصحيح لا يحقق أثره إلا عندما يعالج السؤال الحقيقي، ويفكك منطلقاته، ثم يقدم التصور الإسلامي بمنهج يجمع بين التأصيل الشرعي، وعمق التحليل، والإدراك الدقيق للواقع.
واستعرض أبرز المقاصد التي تحققها دراسة النوازل العقدية، وفي مقدمتها حماية الهوية العقدية، وتعزيز الأمن الفكري، والتأكيد على صلاحية العقيدة الإسلامية والشريعة لكل زمان ومكان، وتجديد الخطاب الديني، وربط النصوص الشرعية بواقع الناس ومتغيرات العصر، فضلًا عن تحصين المجتمع من الانحرافات الفكرية، ومواجهة الشبهات، وإبراز محاسن الإسلام، وتمكين العلماء من أداء رسالتهم وفق احتياجات المجتمع المتجددة، مؤكدًا أن دراسة هذه النوازل تسهم في إعادة بناء الثقة بين الشباب والخطاب الديني؛ لأن الشباب يبحث عن خطاب يفهم واقعه، ويستوعب تساؤلاته، ويحترم عقله، ويخاطبه بلغة العلم والمنطق دون تفريط في الثوابت، مشيرًا إلى أن ازدهار الاجتهاد الشرعي يرتبط بقدرة الأمة على مواجهة التحديات الفكرية، بما يعزز أمنها الفكري، ويدعم مسيرتها الحضارية، ويؤكد قدرة الإسلام على تقديم إجابات راسخة لمختلف القضايا المعاصرة.
وفي سياق حديثه عن الدور المؤسسي في التعامل مع النوازل، شدد فضيلته على أن المرحلة الراهنة تتطلب انتقال المؤسسات العلمية والإفتائية من الجهود الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم، من خلال إنشاء مراكز بحثية متخصصة لرصد التحولات الفكرية العالمية، ودراسة آثارها العقدية، وإعداد معالجات علمية رصينة تستند إلى أصول الشريعة، مع الإفادة من التقنيات الحديثة، والذكاء الاصطناعي، وأدوات التحليل الرقمي في متابعة الاتجاهات الفكرية والشبهات المتداولة عبر الفضاء الإلكتروني، بما يعزز سرعة الاستجابة وفاعليتها.
ورأى فضيلته أن الجمع بين أصالة التراث وحيوية الواقع يمثل المدخل الحقيقي لبناء خطاب ديني قادر على مواكبة العصر، موضحًا أن العالم الرباني هو الذي يستمسك بثوابت الوحي، ويستوعب في الوقت نفسه طبيعة المتغيرات التي يعيشها الناس، فيربط بين النصوص الشرعية وواقع الحياة بما يحقق مقاصد الشريعة، ويحفظ هوية الأمة، ويمكنها من التفاعل الإيجابي مع التطورات الحضارية دون تفريط في الأصول أو انسلاخ عن الثوابت.
وشدد مفتي الجمهورية على أن النوازل العقدية لم تعد قضية أكاديمية تقتصر على الباحثين والمتخصصين، وإنما أصبحت من القضايا المرتبطة مباشرة بالأمن الفكري، واستقرار الأسرة، وتماسك الهوية، ومستقبل الأجيال، مؤكدًا أن تجديد الخطاب الديني ضرورة حضارية مستمرة، وأن دراسة هذه النوازل تمثل أحد أهم مفاتيح هذا التجديد؛ لأنها تجعل الخطاب أكثر قدرة على فهم الواقع، والإجابة عن تساؤلات الإنسان المعاصر، والمحافظة على ثوابت الإسلام في ظل تسارع المتغيرات.
ودعا فضيلته إلى إعداد استراتيجية متكاملة لتجديد الخطاب العقدي، تقوم على تأهيل الباحثين والدعاة، وتوظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في رصد الشبهات وتحليلها، وإنتاج محتوى عقدي معاصر يجمع بين رسوخ التأصيل، وفقه الواقع، وقوة البرهان، إلى جانب إعداد موسوعة علمية حديثة للنوازل العقدية، تتناول أبرز القضايا المستجدة، وتحرر محل النزاع فيها، وتعرض مناهج معالجتها في ضوء التراث الإسلامي ومتطلبات العصر.
واختتم كلمته بالدعوة إلى إعداد جيل من الباحثين يمتلك أدوات التعامل مع النوازل العقدية بمنهج يجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية والتجريبية، بما يعزز القدرة على تقديم خطاب علمي متوازن يواكب تحديات المرحلة، سائلًا الله تعالى أن يوفق الجميع لخدمة الدين، وأن يرزق الأمة العلم النافع والعمل الصالح، ويحفظها من الفتن، وأن يجعل هذه الجهود خالصة لوجهه الكريم.
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.










