“د.فائد مصطفى” خلال مؤتمر ضباط اتصال المكاتب الإقليمية لمقاطعة إسرائيل: علينا تطوير أدواتنا وآليات عملنا حتى تبقى المقاطعة العربية قادرة على تحقيق أهدافها بكفاءة وفاعلية
كتب: أيمن وصفى
ألقى “د.فائد مصطفى” الأمين العام المساعد – رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، كلمة في المؤتمر (98) لضباط اتصال المكاتب الإقليمية لمقاطعة إسرائيل في الدول العربية بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية 27-28/7/2026.. افتتحها بالترحيب برؤساء وأعضاء الوفود، ونقل إليهم تحيات الأمين العام لجامعة الدول العربية “نبيل فهمي”، وتمنياته لأعمال المؤتمر كل النجاح والتوفيق، وأن تكلل مداولاتنا بالقرارات التي تعزز من فعالية منظومة المقاطعة العربية، وتدعم مسيرة العمل العربي المشترك في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
وقال السفير “فائد مصطفى”: ينعقد مؤتمرنا اليوم في مرحلة هي من أكثر المراحل خطورة في تاريخ القضية الفلسطينية، وفي ظرف دولي استثنائي تتعرض فيه قواعد القانون الدولي لاختبار غير مسبوق. فما يشهده قطاع غزة من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وما تتعرض له الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، من تصعيد متواصل في الاستيطان، ومصادرة الأراضي، واعتداءات المستوطنين، ومحاولات فرض وقائع غير قانونية على الأرض، لم يعد يمثل مأساة وطنية للشعب الفلسطيني فحسب، بل أصبح تحدياً مباشراً للمنظومة القانونية الدولية التي قامت على مبادئ احترام السيادة، وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وأوضح “فائد مصطفى” بأنه: لقد شكلت المقاطعة العربية، منذ إنشائها، إحدى أهم أدوات العمل العربي المشترك، وأحد أبرز وسائل الضغط السلمي المشروعة الهادفة إلى إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف. ولم تكن هذه المنظومة، في أي مرحلة من مراحلها، تعبيراً عن موقف عدائي تجاه شعب أو دين، بل كانت وما تزال موقفاً مبدئياً ضد الاحتلال وسياساته الاستيطانية، وانتصاراً لقيم العدالة والشرعية الدولية.
وقال: لقد أثبتت التجارب التاريخية أن المقاطعة الاقتصادية كانت، في العديد من الحالات، وسيلة سلمية فعالة في مواجهة الاحتلال والتمييز والاستعمار، وأسهمت في تهيئة الظروف اللازمة لتسويات عادلة ودائمة. ومن هذا المنطلق، فإن المقاطعة العربية ليست بديلاً عن السلام، وليست نقيضاً له، وإنما هي إحدى الوسائل السلمية التي تساعد على إزالة العقبات التي تحول دون تحقيقه، لأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الاحتلال، ولا على الاستيطان، ولا على فرض الأمر الواقع بالقوة.
وأشار السفير “فائد مصطفى”: بأن اليوم، وبعد ما شهدته الساحة الدولية من تطورات سياسية وقانونية، تكتسب منظومة المقاطعة العربية أهمية متجددة. فقد ترسخت بصورة متزايدة قناعة دولية بأن الاحتلال لا ينشئ حقوقاً مشروعة، وأن الاستيطان يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وأن استمرار التعامل مع نتائجه يقوض فرص السلام ويضعف احترام قواعد الشرعية الدولية.
وأكد بقوله: ومن هنا، فإن المقاطعة العربية لم تعد تتحرك بمعزل عن التطورات الدولية، بل أصبحت جزءاً من توجه عالمي متزايد يؤكد أن النشاط الاقتصادي يجب أن يكون منسجماً مع قواعد القانون الدولي، وأن تحقيق الأرباح لا يمكن أن يكون مبرراً لتجاهل الحقوق المشروعة للشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو للاستفادة من أوضاع أنشئت بالمخالفة للقانون.
وأوضح: إن المسؤولية الملقاة على عاتقنا اليوم لا تتمثل في الحفاظ على منظومة المقاطعة العربية فحسب، وإنما في تطويرها وتعزيز قدرتها على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي. فالعالم الذي تأسست فيه هذه المنظومة يختلف كثيراً عن عالمنا اليوم، حيث أصبحت التجارة الدولية أكثر تشابكاً، وتنامى دور الشركات متعددة الجنسيات، وبرزت التجارة الإلكترونية، والاقتصاد الرقمي، وسلاسل الإمداد العالمية، والاستثمارات العابرة للحدود، بما يفرض علينا تطوير أدواتنا وآليات عملنا حتى تبقى المقاطعة العربية قادرة على تحقيق أهدافها بكفاءة وفاعلية.
وقال السفير “فائد مصطفى”: ومن هنا، فإن جدول أعمال هذه الدورة يكتسب أهمية خاصة، لأنه لا يقتصر على متابعة تنفيذ القرارات السابقة، وإنما يتيح لنا فرصة لتقييم أداء منظومة المقاطعة، وتحديث قواعد بياناتها، وتعزيز تبادل المعلومات بين مكاتب المقاطعة في الدول العربية، وتطوير وسائل الرصد والمتابعة، والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات، بما يعزز من دقة القرارات وسرعة تنفيذها.
وأوضح: لقد ظلت منظومة المقاطعة العربية، على امتداد عقود، إحدى الركائز الثابتة للعمل العربي المشترك، وجسدت التزام الدول العربية بقراراتها الجماعية، وإيمانها بأن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية لا يقتصر على المواقف السياسية، وإنما يقتضي أيضاً ترجمة هذه المواقف إلى سياسات وإجراءات عملية. وإن المحافظة على هذه المنظومة وتطويرها لا يمثلان مجرد التزام مؤسسي، بل يعكسان إرادة عربية راسخة في رفض شرعنة الاحتلال، أو التكيف مع نتائجه، أو السماح بتحويله إلى واقع دائم.
وأشار في هذا السياق: فإننا نعرب عن تقديرنا للجهود التي تبذلها الدول العربية الأعضاء، وضباط اتصال مكاتب المقاطعة، في تنفيذ قرارات مؤتمرات المقاطعة، وما يقدمونه من عمل مهني متواصل في ظروف تزداد تعقيداً عاماً بعد عام. وإن هذا الجهد يستحق كل الدعم، لأنه يعبر عن التزام عربي جماعي بحماية أحد أهم أدوات العمل العربي المشترك، والحفاظ على مصداقيتها وفعاليتها.
وقال: إن القضية الفلسطينية تمر اليوم بمنعطف تاريخي دقيق، لكنها تشهد في الوقت ذاته تحولات مهمة في مواقف الرأي العام العالمي، وفي مواقف العديد من الحكومات والبرلمانات والمؤسسات الدولية، التي باتت أكثر إدراكاً لحقيقة ما يجري في الأرض الفلسطينية المحتلة، وأكثر اقتناعاً بأن إنهاء الاحتلال لم يعد مطلباً فلسطينياً أو عربياً فحسب، بل ضرورة لحماية السلم والأمن الدوليين، وصون النظام الدولي القائم على احترام القانون.
وشدد: من واجبنا أن نستثمر هذه التحولات، وأن نوظفها في خدمة قضيتنا العادلة، من خلال تكامل أدوات العمل العربي السياسي والدبلوماسي والقانوني والإعلامي والاقتصادي، بحيث تصبح منظومة المقاطعة جزءاً من رؤية عربية شاملة، تسهم في تعزيز الجهود الرامية إلى إنهاء الاحتلال، وتجفيف مصادر دعمه، وترسيخ مبدأ المساءلة، وتهيئة البيئة اللازمة لتحقيق السلام العادل والشامل.
وقال: لقد قدمت الدول العربية، على مدى العقود الماضية، كل ما يلزم لإثبات التزامها بخيار السلام، وتعاملت بإيجابية ومسؤولية مع مختلف المبادرات الدولية الرامية إلى إنهاء الصراع. غير أن استمرار الاحتلال، وتصاعد الاستيطان، وتقويض حل الدولتين، ورفض الانصياع لقرارات الشرعية الدولية، يفرض على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته، وأن ينتقل من مرحلة التعبير عن القلق إلى مرحلة اتخاذ إجراءات عملية تكفل احترام القانون الدولي وإنهاء الاحتلال.
وأشار: ومن هذا المنطلق، فإننا نؤكد أن منظومة المقاطعة العربية ليست عقبة أمام السلام، بل هي إحدى الأدوات السلمية المشروعة التي تستهدف تهيئة الظروف اللازمة لتحقيقه. فالسلام لا يمكن أن يقوم على مكافأة الاحتلال، ولا على تطبيع الأوضاع غير المشروعة، ولا على تجاهل الحقوق التاريخية والقانونية للشعب الفلسطيني، وإنما يقوم على العدالة، واحترام القانون، وإنهاء الاحتلال، وإعادة الحقوق إلى أصحابها.
وقال: إن اجتماعنا اليوم يبعث برسالة سياسية وقانونية وأخلاقية واضحة، مفادها أن الدول العربية ستظل متمسكة بخيار السلام، لكنها في الوقت ذاته ستظل متمسكة بحقها في استخدام جميع الوسائل السلمية والمشروعة التي يقرها القانون الدولي دفاعاً عن حقوق الشعب الفلسطيني، وصوناً لمبادئ العدالة والشرعية الدولية.
وقال: كما يبعث برسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن الاحتلال لا يمكن أن يتحول إلى وضع طبيعي، وأن الاستيطان لا يمكن أن يكتسب شرعية بمرور الزمن، وأن احترام القانون الدولي يجب أن يكون معياراً واحداً يطبق على الجميع دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.
وأوضح: ورسالتنا كذلك إلى القطاع الخاص، والمؤسسات الاقتصادية والمالية، والشركات متعددة الجنسيات، أن الاستثمار المسؤول لا ينفصل عن احترام القانون الدولي، وأن تحقيق الأرباح لا يمكن أن يكون مبرراً للإسهام في تكريس الاحتلال أو الاستفادة من آثاره، وأن الالتزام بالمسؤولية المؤسسية يقتضي تجنب أي نشاط يسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في دعم الاستيطان أو إدامة الأوضاع غير المشروعة.
واختتم السفير “فائد مصطفى” بقوله: إن نجاح مؤتمرنا لا يقاس بعدد البنود التي يعتمدها، ولا بعدد التوصيات التي يقرها، وإنما بقدرته على إحداث نقلة نوعية في تطوير منظومة المقاطعة العربية، وتعزيز كفاءتها، وتحديث أدواتها، وترسيخ مكانتها باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للعمل العربي المشترك، وأداة سلمية وقانونية تسهم في حماية الشرعية الدولية، وتدعم الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. ولذلك، فإننا نتطلع إلى أن تخرج هذه الدورة برؤية عملية للمستقبل، بما يضمن استمرار فعالية منظومة المقاطعة، ويعزز قدرتها على أداء رسالتها في السنوات المقبلة. أجدد الترحيب بكم جميعاً، وأتمنى لأعمال هذه الدورة كل النجاح والتوفيق.
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






