على مدار يومين .. انطلاق المؤتمرِ العالمي الحادي عشر للإفتاء.. لمناقشة التحديات التى تواجه الأسرة والخروج بتوصيات وبروتوكلات تعاون تُنفذ
كتب: أيمن وصفى
مفتي الجمهوريةِ:
*• الدولة المصريةِ أدركتْ مبكرًا خطورةَ التحدياتِ التي تواجهُ الأسرةَ فبادرتْ بتوجيهاتٍ حاسمةٍ لصياغةِ قوانينِ الأحوالِ الشخصيةِ*
*• صغنا عنوان المؤتمر ببناء منهجي لتقديم النموذج الحضاري الإسلامي للعالم في حماية الأسرة*
*• لدينا خارطة طريق إفتائية من 4 أسس.. وأطالب بتدريس مادة «الاجتهاد المقاصدي» لتقديم فتوى رشيدة*
*• الفتوى ليست مجرد إجابة عن سؤال بل «إدارة لدفة الحياة» وإرثنا المؤسسي يمتد لـ 130 عامًا*
*• كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه خيرَ الناسِ لأهلهِ .. والبيت النبوي أنموذج المودة والرحمة في مواجهة التحديات الأسرية*
*• تسليع العلاقات شوَّه المفاهيم الشرعية .. وتغول خوارزميات الذكاء الاصطناعي أضعف الحوار الأسري وسحب المرجعية التربوية من الوالدين*
*• مخاطر “الدارك ويب” تهدد الفطرة الإنسانية والاستقرار الأسري وتستدعي وعيًا مجتمعيًّا حاسمًا*
*• لم يعد مجديًا عمل المؤسسات في جزر منعزلة.. ونحتاج إلى عقل جمعي يقدم حماية تسبق الخطر*

أكد فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد – مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم- أن الدولة المصرية أدركتْ مبكرًا خطورةَ التحدياتِ التي تواجهُ الأسرةَ، فبادرتْ بتوجيهاتٍ رئاسيةٍ حاسمةٍ لصياغةِ قوانينِ الأحوالِ الشخصيةِ على نحوٍ أكثرَ توازنًا وتكاملًا، وإنشاءِ «صندوقِ دعمِ الأسرةِ»، ودعمِ الأبناءِ بعدَ الانفصالِ، وسرعةِ تنفيذِ الأحكامِ القضائيةِ في دعاوى النفقاتِ ضمانًا للاستقرارِ المعيشيِّ، وتعزيزِ برامجِ التأهيلِ المجتمعيِّ والنفسيِّ والماديِّ للمقبلينَ على الزواجِ؛ في تناغمٍ بينَ مقاصدِ الشريعةِ وسياساتِ الدولةِ الرشيدةِ.
وأوضح فضيلة مفتي الجمهورية خلال كلمة فضيلته في افتتاحِ المؤتمرِ الدوليِّ السنويِّ للأمانةِ العامةِ لدورِ وهيئاتِ الإفتاءِ في العالمِ المنعقد تحت عنوان «التحدياتُ الأسريةُ في ظلِّ التحولاتِ الكبرى .. مقاربةٌ إفتائيةٌ لحمايةِ الأسرةِ واستشرافِ مستقبلها وصيانةِ الهويةِ» أن الرسول صلى الله عليه وسلمَ كان خيرَ الناسِ لأهلهِ، وأقامَ بيتَهُ على حُسنِ العِشرةِ والمودةِ والرحمةِ، وضرَبَ أكرمَ المثلِ في الأُبوةِ الحانيةِ، والتربيةِ بالرفقِ، والحزمِ منْ غيرِ قسوةٍ، وإنَّ منْ أصدقِ الاحتفاءِ بمولدهِ أنْ يتحولَ هديهُ الشريفُ إلى سلوكٍ في بيوتنا، ومنهجٍ في تربيةِ أبنائنا، وميزانٍ في إدارةِ خلافاتنا.
وبين فضيلته أن عُنوان المُؤتمر قد صِيغَ في بناءٍ منهجيٍّ دقيقٍ يجمعُ أربعةَ محدداتٍ، وهي التحديات الأسرية، والتحولات الكبرى، وحماية الأسرةِ واستشراف مستقبلها، وصيانة الهويةِ، وأنَّ اجتماعَ هَذِهِ المُحَدِّدَاتِ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ يُلْقِي عَلَى عَوَاتِقِنَا مَسؤُولِيَّةً مضاعفةً، فِي لَحْظَةٍ تاريخيّةٍ تَتَزَاحَمُ فِيهَا المشروعاتُ المجتمعيةُ، وَتَتَجَاذَبُ الإِنْسَانَ مرجعياتٌ شَتَّى؛ لِنُقَدِّمَ لِلْعَالَمِ، بِوَعْيٍ نَافِذٍ بِحَرَكَتِهِ وتحولاتهِ، النموذجَ الحَضارِيَّ الَّذِي أَرْسَى كِتَابُ اللهِ أُصُولَهُ، وجسَّدتْ سُنةُ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعالِمَهُ؛ لِتَثُوبَ إِلَيْهِ مجتمعاتٌ أَنْهَكَتْهَا الأَزَمَاتُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ فِي مشارقِ الأَرْضِ ومغاربِها، وَتَجِدَ فِيهِ سَبِيلًا إِلَى اسْتِعادَةِ تَوَازُنِهَا وسكينتِها.
وأشار فضيلة المفتي إلى أن مؤسسة الأسرةِ تواجهُ تحديًا وجوديًّا غيرَ مسبوقٍ، وإذا كانتِ الفتوى في عصورٍ مضتْ تتعاملُ غالبًا معَ نوازلَ فرديةٍ، فإنها تقفُ اليومَ أمامَ «سيولةٍ فكريةٍ» تمسُّ ثوابتَ الفطرةِ الإنسانيةِ، لذا، فرضَ الانفتاحُ الرقميُّ وتغولُ خوارزمياتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ نمطًا قيميًّا يعيدُ تشكيلَ وعيِ الأجيالِ، ولمْ تعدِ التقنيةُ مجردَ أداةٍ، بلْ أصبحتْ في كثيرٍ منَ الأحايين ذراعًا لترسيخِ الفردانيةِ وعزلِ الإنسانِ داخلَ شرنقةٍ افتراضيةٍ تصوغُ اختياراتهِ وتغذي أهواءهُ، حتى انتقلتْ مساحاتٌ منَ المرجعيةِ التربويةِ منَ الوالدينِ إلى منصاتٍ موجهةٍ تصلُ إلى خصوصيةِ البيوتِ، وتضعفُ الحوارَ المباشرَ والتشاورَ الأسريَّ، وتمنحُ الأبناءَ رفقاءَ افتراضيينَ وبدائلَ مصطنعةً لا تملكُ أنْ تمنحَ رحمةً أوْ طمأنينةً أوْ دفءَ انتماءٍ.
في السياق ذاته شدد مفتي الجمهورية على أن هذهِ التحديات لا تقف عندَ حدودِ المنصاتِ الرقميةِ المفتوحةِ، بلْ تمتدُّ إلى فضاءاتٍ أشدَّ خفاءً، في مقدمتها «الدارك ويب»، بما يتداولُ فيهِ منْ محتوياتٍ وممارساتٍ تهددُ أمنَ الأسرةِ وتستهدفُ فطرةَ أبنائها بعيدًا عنِ الرقابةِ المجتمعيةِ، ويشتدُّ أثرُ ذلكَ في ظلِّ «السيولةِ المعرفيةِ» التي تتهاوى معها الحدودُ بينَ الحقيقةِ والزيفِ، والعلمِ والوهمِ، والقيمةِ والرغبةِ؛ حتى يغدوَ المحتوى الأكثرُ انتشارًا أقدرَ على تشكيلِ الوعيِ منَ المحتوى الأكثرِ صدقًا ورشدًا.
ولفت فضيلة المفتي النظر إلى أن الخطورة الكبرى تكمن أيضًا في سلب الذكاء الاصطناعي للمرجعية التربوية من الوالدين لصالح منصات وخوارزميات غربية؛ إذ أضحى الأبناء يستمدون المعايير القيمية ومقاييس الحلال والحرام من محتوًى موجه يضعف التنشئة ويصنع جيلًا مفصولًا عن هُويته ودينه بالإضافة إلى اختراق الخصوصية وإرباك الستر، وفي هذا المناخِ تتسارعُ «عولمةُ القيمِ»؛ إذْ تنتقلُ منظوماتٌ قيميةٌ مغايرةٌ عبرَ الحدودِ، وتقدمُ بوصفها معيارًا إنسانيًّا واحدًا، بما يهددُ الخصوصياتِ الدينيةَ والثقافيةَ ويزاحمُ مرجعياتِ الأسرةِ، وينشأُ عنْ ذلكَ ما يمكنُ تسميتهُ «مثلثَ التفككِ»: اللادين، واللاوطن، واللاأخلاق؛ أي القطيعة معَ المرجعيةِ الإيمانيةِ، وإضعاف الانتماءِ الوطنيِّ، وفصل السلوكِ عنْ ضوابطهِ.
ويكتملُ هذا المسارُ بـ«تسليعِ العلاقاتِ»، حينَ يُختزلُ الإنسانُ في منفعتهِ، وتقاسُ العلاقةُ الزوجيةُ بمنطقِ الربحِ والخسارةِ، حتي شُوهتْ مفاهيمُ شرعيةٌ نبيلةٌ؛ فصورتِ «القوامةُ» تسلطًا لا رعايةً ومسؤوليةً، و«الطاعةُ» إلغاءً للشخصيةِ لا تنظيمًا لشؤونِ الأسرةِ، وغابتْ معاني «الكدِّ والسعايةِ» التي تحفظُ للمرأةِ كرامتها وجهدها. وَفِي المُقابِلِ، تَصَاعَدت الدَّعَوَاتُ إِلَى العُزُوفِ عَن الزَّوَاجِ، وَتُسَوَّقُ العَلاقَاتُ العابِرَةُ وَالنَّماذجُ الشَّاذَّةُ بِوصفها بدائِلَ مُوازِيَةً تَحْت شِعَارِ الحُرِّيَّةِ، عَلَى حِينِ تُثْقِلُ تَكالِيفُ الزَّوَاجِ والمغالاةُ فِي المَظاهِرِ كاهِلَ الشَّبَابِ، وَتُضَيِّقُ أَمَامَهُمْ سُبُلَ تَكْوِينِ الأُسْرَةِ.
وتابع فضيلته، فِي خِضَمِّ هذا المَشهَدِ، تَتَجاذَبُ وَعْيَ الأَبْنَاءِ نَزْعَتَانِ مُتَقَابِلَتَان: التَّطَرُّفُ وَالإِلْحادُ الرَّقْمِيُّ؛ وَكِلْتاهُمَا تَتَغَذَّى علَى الفَراغِ العاطِفِيِّ، وَتَسْتَثْمِرُ هَشاشَةَ الوعْيِ وَوَهْمَ المَعرِفَةِ. كما أكد أن دارِ الإفتاءِ المصريةِ، ومنْ ورائها الأمانةُ العامةُ لدورِ وهيئاتِ الإفتاءِ في العالمِ، ينطلقان منْ إرثٍ مؤسسيٍّ يمتدُّ لأكثرَ منْ مئةٍ وثلاثينَ عامًا، يدركان منْ خلالهِ أنَّ الفتوى ليستْ مجردَ إجابةٍ عنْ سؤالٍ، بلْ هيَ «إدارةٌ لدفةِ الحياةِ» في ضوءِ الوحيِ الشريفِ، ومن ثم لم تقف دار الإفتاء عندَ حدودِ النقلِ الحرفيِّ والتكييفِ الفقهيِّ بعدَ وقوعِ النزاعِ، بل انتقلت إلى ما نسميهِ «الفقهَ الاستباقيَّ»: فقه يعالجُ الأسبابَ قبلَ وقوعِ النتائجِ، ويرصدُ المآلاتِ، ويحصنُ العقولَ قبلَ أنْ تخترقَها الشاشاتُ.
وبشأن أهمية مواجهة هذهِ التحولاتِ الكبرى، أوضح فضيلة مفتي الجمهورية أن الواجب الإفتائي والمقاصدي يفرض علينا تبنيَ مقاربةٍ متكاملةٍ تقومُ على أربعةِ أسسٍ، تتمثل في تفعيل الاجتهادِ المقاصديّ في شؤونِ الأسرةِ؛ باستلهامِ الغاياتِ الكبرى للشريعةِ لتحقيقِ العدلِ والتراحمِ، والموازنةِ الدقيقةِ بينَ ثوابتِ الدينِ ومتغيراتِ العصرِ، داعيًا إلى أنْ يكونَ «الاجتهادُ المقاصديُّ في شؤونِ الأسرةِ» مادةً أساسيةً تدرسُ لطلابِ الشريعةِ في المرحلتينِ الجامعيةِ والعليا؛ لتخريجِ جيلٍ منَ المفتينَ القادرينَ على تقديمِ فتوى رشيدةٍ، لا تجنحُ إلى جمودِ التقليدِ ولا إلى شذوذِ الانفلاتِ، وخوض معركةِ الوعيِ الرقميِّ؛ بإنتاجِ محتوًى فقهيٍّ وعلميٍّ موثوقٍ، صحيحٍ وميسرٍ، بلغاتٍ متعددةٍ، يشرحُ المفاهيمَ الأسريةَ بلغةٍ معاصرةٍ واعيةٍ بطبيعةِ التقنيةِ؛ ليكونَ مرجعيةً أصيلةً تعتمدُ عليها محركاتُ البحثِ وتتغذى عليها تطبيقاتُ الذكاءِ الاصطناعيِّ، بدلًا منْ تركِ الساحةِ للمحتوى المغلوطِ أوِ المنحازِ، فحمايةُ وعيِ الأسرةِ تبدأُ منْ حمايةِ التغذيةِ الرقميةِ التي تشكلُ وعيَ الأجيالِ، و التصحيح الجريء للمفاهيمِ الأسريةِ الخاطئةِ، ومواجهةُ خطاباتِ التشددِ التي تنفرُ الشبابَ، وموجاتِ الإلحادِ الرقميِّ التي تفككُ الأخلاقَ، بخطابٍ وسطيٍّ رحيمٍ يستلهمُ هديَ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ. ويتصلُ بذلكَ تكثيفُ برامجِ التأهيلِ قبلَ الزواجِ، والإرشادِ الأسريِّ بعدهُ، واستعادةُ المساحاتِ المشتركةِ للحوارِ داخلَ البيتِ، ووضعُ حدودٍ واعيةٍ للاستخدامِ الرقميِّ؛ حتى يستعيدَ الأبناءُ ثقتهمْ بمرجعيةِ الأسرةِ بوصفها حصنًا للحمايةِ والأمانِ، وإطلاق شراكاتٍ مؤسسيةٍ عابرةٍ للتخصصاتِ، تجمعُ بينَ علماءِ الشريعةِ وخبراءِ الاجتماعِ والنفسِ والتربيةِ والتقنيةِ والإعلامِ والقانونِ؛ لأنَّ الواقع المركب لا تعالجهُ حلولٌ أحاديةٌ.
وفي ختام كلمته أكد فضيلة المفتي أنه لمْ يعدْ مُجديًا أنْ تعملَ المؤسساتُ في جزرٍ منعزلةٍ، بلْ نحتاجُ إلى تبادلٍ معرفيٍّ وعقلٍ جمعيٍّ مؤسسيٍّ يجمعُ أصالةَ النصِّ وعمقَ التحليلِ وفهمَ الواقعِ الرقميِّ، تحتَ مظلةِ روحِ الشريعةِ وعدالتها، والدولة المصرية، بقيادتها الحكيمةِ، مشددًا على أن الأمانة ثقيلة والمهمة جسيمة، وأننا مطالبونَ اليومَ بنقلِ الفتوى العلميةِ إلى أفقٍ أرحبَ تلامسُ فيهِ الهمومَ البشريةَ، وفي مقدمتها بنيةُ الأسرةِ؛ ضمنَ رؤيةٍ إفتائيةٍ مستجدةٍ تستشرفُ المستقبلَ، ويتعاضدُ فيها الاستنباطُ الفقهيُّ الحيُّ المرنُ معَ علومِ الطبِّ والنفسِ والاجتماعِ والتقنيةِ والقانونِ؛ حتى نقدمَ حمايةً تسبقُ الخطرَ، وعلاجًا ينفذُ إلى أسبابهِ، وهويةً منفتحةً على العصرِ منْ غيرِ أنْ تذوبَ فيهِ، داعيًا إلى أن يكون “الاجتهاد المقاصدي في شؤون الأسرة” مادة تدرس لطلاب كليات الشريعة الإسلامية في مرحلة الدراسة الجامعية، والدراسات العليا، الأمر الذي يضمن تأهيل طالب الشريعة لأن يقدم فتوى رشيدة خاصة بالشأن الأسري لا يجنح فيها إلى التقليد أو إلى الشذوذ.

وزير الأوقاف خلال كلمته نيابةً عن رئيس الوزراء بمؤتمر الإفتاء العالمي الحادي عشر..
• الأسرة أصل المؤسسات وحصن الهوية في مواجهة التحولات الكبرى والتحديات المتسارعة
• حسن معاملة الأسرة ورعايتها يمثلان أحد أبرز معالم المنهج النبوي في بناء الإنسان وصيانة المجتمع
• القضية الفلسطينية ستظل القضية الكبرى.. وستواصل موقفها الثابت الرافض للتصفية
• الإعلام يمثل أحد المنافذ الكبرى المؤثرة في تشكيل الوعي وبناء الأسرة في عصر الذكاء الاصطناعي

أشاد فضيلة الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر دار الإفتاء المصرية، المنعقد تحت عنوان «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، ممثلًا عن دولة رئيس مجلس الوزراء، بانعقاد المؤتمر في هذا التوقيت الذي يتزامن مع شهر ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، بما يحمله ذلك من دلالة بالغة في استحضار هديه الشريف في بناء الإنسان والأسرة، ولا سيما قوله : «خيركم خيركم لأهله»، موضحًا أن حسن معاملة الأسرة ورعايتها يمثلان أحد أبرز معالم المنهج النبوي في بناء الإنسان وصيانة المجتمع، وأن استحضار هذه المعاني في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم يكتسب أهمية مضاعفة في حماية الأسرة وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المتجددة.
وأشار فضيلته إلى أن بناء الإنسان عملية متكاملة تتداخل فيها مجموعة من المنافذ والمؤسسات الكبرى التي تشترك في تشكيل وعيه وبناء شخصيته وصياغة منظومته القيمية، وفي مقدمتها الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام والشارع، حيث تبدأ الأسرة مهمتها باعتبارها الوعاء الأول الذي تتشكل داخله شخصية الإنسان، ومنها يتلقى أولى معاني الأمان والانتماء والمسؤولية والقيم والأخلاق، وهو ما يجعلها بحاجة إلى إحاطة دائمة بعوامل العلم والتضافر والتعاون لحمايتها من التشويش والاضطراب، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تستهدف في بعض صورها منظومة القيم والهوية، وأن غياب الرعاية الأسرية قد يترك آثارًا عميقة في تكوين الإنسان، سواء كان ذلك نتيجة تخلي أحد الوالدين عن دوره أو انشغاله بصورة تحول دون قيامه بمسؤوليته التربوية والإنسانية.
وذكر فضيلته أن المدرسة تأتي امتدادًا لما تبدؤه الأسرة من عملية بناء للإنسان، وذلك يشمل مؤسسات التعليم والمعاهد والجامعات، حيث تتكامل وظيفتها مع الأسرة والمسجد في ترسيخ المعارف والقيم وتكوين الشخصية المتوازنة، كما يسهم المسجد في تعزيز هذا البناء من خلال خطاب ديني يهدي الإنسان إلى سواء السبيل ويعمر وجدانه بالمعاني الإيمانية الصحيحة، ويحصنه من التطرف والشطط والانحراف، وهذا التكامل في بناء الإنسان لا ينفصل عن الدور الذي تضطلع به مختلف المؤسسات الدينية والمجتمعية في حماية الوعي العام وترسيخ قيم الاعتدال والرحمة والتعايش وصيانة الهوية من محاولات التشويه أو الاختزال.
وتناول فضيلته دَور “الشارع” باعتباره المجال الأوسع لاحتكاك الإنسان بالمجتمع منذ خروجه من منزله وحتى عودته إليه، مبينًا أن هذا المجال قد يسهم في تعزيز ما قامت به الأسرة والمدرسة والمسجد من بناء قيمي إذا كان المجتمع قائمًا على الرشد والانضباط وحسن التعامل، لكنه قد يتحول إلى مصدر للتشويش والتغيير إذا غابت عنه القيم الحاكمة للسلوك، مستحضرًا في ذلك التوجيه النبوي «أعطوا الطريق حقه» وما تضمنه من آداب متعددة لتنظيم علاقة الإنسان بالآخرين في المجال العام، من إفشاء السلام وتشميت العاطس ورد التحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحسن التعامل وإغاثة المحتاج والإكثار من ذكر الله، بما يؤكد أن بناء الإنسان لا يتوقف عند حدود الأسرة وإنما يمتد إلى كل مجال يتحرك فيه ويتفاعل مع الآخرين.
ونبَّه وزير الأوقاف إلى أن الإعلام يمثل أحد المنافذ الكبرى المؤثرة في تشكيل الوعي وبناء الأسرة في عصر الذكاء الاصطناعي؛ نظرًا لما تملكه الوسائل الإعلامية والمنصات الرقمية من قدرة واسعة على التأثير في الوجدان والسلوك وتشكيل التصورات عن الأسرة والعلاقات الإنسانية، مؤكدًا أن هذا التأثير قد يحمل مضامين إيجابية تسهم في تعزيز الاستقرار والقيم، وقد يتحول في المقابل إلى مصدر للتشويش ونشر العنف والاضطراب وتغيير المفاهيم إذا غابت المسؤولية عن صناعة المحتوى، وهو ما يجعل الأسرة في حاجة إلى مزيد من الوعي والقدرة على التماسك والقيام بدورها في مواجهة ما يرد إليها من مؤثرات متعددة، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي فرضها الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
وأضاف أن الأسرة تظل الرحم الذي يحتضن الإنسان، والمؤسسة التي تقوم على الرعاية والتعهد المستمر والملاحظة الدائمة لما يطرأ على أفرادها من تغيرات، بما يجعلها قادرة على اكتشاف مظاهر الاعوجاج في بدايتها والتعامل معها قبل أن تستفحل، فهي مؤسسة المؤسسات وعرين الإنسان وموضع سكينته، وإذا اشتدت بها الخطوب كان لزامًا على المجتمع بأسره أن يسارع إلى حمايتها من التفكك والانهيار، وأن يوفر لها ما تحتاج إليه من دعم وتشريع وتوعية ومساندة، فمواجهة التحديات الأسرية لا يمكن أن تكون مسؤولية مؤسسة واحدة، وإنما تقتضي تكامل جهود المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والثقافية والمجتمعية في إطار رؤية مشتركة تستهدف حماية الأسرة واستقرارها وصيانة الهوية.
و شدد وزير الأوقاف على أهمية العمل المشترك في مواجهة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وهي القضية التي يضعها المؤتمر على دائرة التفكير والبحث والنقاش من خلال مقاربة إفتائية تستهدف استشراف مستقبل الأسرة وتعزيز قدرتها على الصمود أمام التحديات المتغيرة، مشيرًا إلى أن المؤسسات الدينية المصرية تعمل في إطار من التكامل والتعاون من أجل أداء رسالتها في نشر العلم النافع وخدمة الإنسان، وأن وزارة الأوقاف وشيخ مشايخ الطرق الصوفية ونقابة الأشراف ودار الإفتاء المصرية تقف صفًّا واحدًا خلف الأزهر الشريف وشيخه، من أجل حمل رسالة العلم النافع للبشرية والتجرد لخدمة الدين والوطن ونقل أنوار الإسلام وتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم إلى العالمين.
واختتم وزير الأوقاف حديثه بأن القضية الفلسطينية ستظل القضية الكبرى، وأن مصر ستواصل موقفها الثابت الرافض لتصفية القضية الفلسطينية أو تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، مع التمسك بحق الشعب الفلسطيني في أرضه وإقامة دولته المستقلة، مع إيلاء قطاع غزة عناية خاصة في ظل ما يمر به من ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، بما يعكس ثبات الموقف المصري في دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والحفاظ على مقدراته وهُويته وأرضه.

خلال كلمة فضيلته بمؤتمر “الإفتاء” العالمي نيابةً عن الإمام الأكبر شيخ الأزهر – وكيل الأزهر الشريف:
الأسرة ميثاق غليظ وهي مستقبل الأمة.. وحمايتها في العصر الرقمي تتطلب الانتقال من “فقه الأزمة” إلى “فقه الوقاية الاستباقي”
المتغيرات المعاصرة تضاعف مسؤولية المؤسسات الدينية والعلمية والأزهر الشريف جعل قضايا الأسرة في مقدمة أولوياته
حماية الأسرة وصيانة الهوية حلقات متكاملة في مشروع حضاري واحد يستهدف استقامة الإنسان وقوة المجتمع
الحديث عن الأسرة ليس بحثًا في شأن اجتماعي عارض بل هو حديث عن مقصد شرعي أصيل ومصلحة إنسانية وحضارية تمس حاضر المجتمع ومستقبله

نَقَلَ فضيلة الشيخ أيمن عبد الغني، وكيل الأزهر الشريف، خلال كلمته نيابةً عن فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، في افتتاح المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية بالقاهرة، تحيات فضيلة الإمام الأكبر وأمنياته للمؤتمر بالخروج ببحوث جادة ورؤى عميقة تعين على صيانة الكيان الأسري وتستشرف له مستقبلًا أكثر أمنًا واستقرارًا تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وأكد وكيل الأزهر الشريف أن الحديث عن الأسرة ليس بحثًا في شأن اجتماعي عارض، بل هو حديث عن مقصد شرعي أصيل ومصلحة إنسانية وحضارية تمس حاضر المجتمع ومستقبله؛ مشددًا على التصور الإسلامي الذي يجعل الزواج ميثاقًا غليظًا وسكنًا ومودة ورحمة. كما بيَّن مسؤولية المؤسسات أمام الثورة الرقمية موضحًا أن الأسرة تقف اليوم أمام مرحلة غير مسبوقة من التحولات بسبب الثورة الرقمية، والانفتاح الاتصالي، والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي أعادت تشكيل مفهوم الخصوصية والأدوار الأسرية؛ وأن الخطورة لا تكمن في أصل التغير، بل في تقدم التحولات مع تراجع القدرة على فهمها وتوجيهها، أو اختزال الأسرة في علاقة قابلة للتفكك كلما تبدلت المصالح والرغبات.
وأوضح فضيلة وكيل الازهر الشريف، أن هذه المتغيرات تضاعف مسؤولية المؤسسات الدينية والعلمية في تقديم خطاب قادِر على التعامل مع أسئلة العصر دون التفريط في الثوابت والمرجعيات، مؤكدًا أن الأزهر الشريف جعل قضايا الأسرة في مقدمة أولوياته لتصحيح المفاهيم المغلوطة حول الزواج والطلاق والحقوق والواجبات، وترسيخ الفقه الرشيد الذي يجمع بين أمانة النص وفهم الواقع واستشراف المآلات.
ودعا وكيل الأزهر في كلمته إلى ضرورة التحول من “فقه معالجة الأزمات” إلى “فقه الوقاية والاستباق”، عبر بناء وعي أسري يسبق عقد الزواج ويرافق الأسرة في مراحلها المختلفة لتأهيل أطرافها لإدارة الخلاف، استنادًا إلى قواعد الشريعة المقاصدية وفي مقدمتها “الضرر يزال”، مع التركيز على مبدأ الإصلاح والوساطة المبكرة قبل اتساع الشقاق، بعيدًا عن منطق المغالبة والانتصار للنفس، وبناء المناعة الفكرية والتصدي للتحديات الرقمية، محذرًا من تراجع الدور التربوي للأسرة أمام التمدد الرقمي والشاشات المنافسة التي تخترق البيوت بلا استئذان، كما أكد أن حماية الأبناء في العصر الرقمي لا تتأتى بعزلهم عن العالم، وإنما ببناء المناعة الفكرية والأخلاقية التي تمكنهم من التمييز الرشيد والاستفادة من معطيات العصر دون ذوبان أو فقدان للهوية.
واختتم فضيلته الكلمة بالـتأكيد على أن حماية الأسرة، وصيانة الهوية، وبناء الوعي الإسلامي الرشيد، هي حلقات متكاملة في مشروع حضاري واحد لبناء الإنسان؛ فبصلاح الأسرة يستقيم الفرد، وبإقامته يقوى المجتمع وتصون الأمة هويتها وتتقدم نحو المستقبل بثقة واقتدار، متمنيًا أن يصبح المؤتمر خطوة نحو تفعيل الآليات الشرعية والقانونية لحماية الأسرة، وفرصة لتسليط الضوء على التحديات والتحولات الكبرى التي تواجهها، من خلال تقديم رؤية شاملة، وحلول مبتكرة للتعامل مع هذه التحديات والتحولات، بما يحقق حمايتها، ويوجه طاقاتها، ويستشرف مستقبلها، ويصون الهوية الوطنية.
يُذكر أن المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية، المنعقد بالقاهرة تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، يأتي هذا العام تحت عنوان: «التحديات الأُسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، بمشاركة كبار العلماء والسياسيين والمفتين وممثلي المؤسسات الدينية والفكرية من مختلف دول العالم، ويناقش المؤتمر آليات التحول من «فقه معالجة الأزمات» إلى «فقه الوقاية والاستباق»، بهدف صيانة الكيان الأسري في مواجهة المتغيرات المتسارعة.
الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء:
– الأسرة ليست شأنًا خاصًّا وإنما قضية تمس الإنسان والوطن والمجتمع والحضارة
– لا يمكن وقف التحولات الكبرى لكن يمكن إدارتها بوعي ومسؤولية واستثمار فرصها والحد من مخاطرها
– ندعو إلى الانتقال من فقه معالجة الأزمات الأسرية إلى فقه بناء الأسرة على أسس ربانية سليمة
– الاجتهاد الجماعي المؤسسي ضرورة لمعالجة قضايا الأسرة في ظل التحولات المعاصرة والاستثمار في الأسرة استثمار رابح في أمن الأوطان
– لا يمكن الحديث عن الأسرة وتحدياتها دون استحضار معاناة الأسرة الفلسطينية ودعم حقها في الحياة والأمن والكرامة

أكد الأستاذ الدكتور قطب مصطفى سانو، الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، أن الأسرة لم تعد مجرد قضية اجتماعية خاصة، وإنما أصبحت في قلب قضايا الإنسان والوطن والمجتمع والحضارة، مشددًا على أن التحولات المتسارعة في القيم والاقتصاد والتقنية والفضاء الرقمي تفرض الانتقال من معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب، ومن رد الفعل إلى الاستباق والوقاية، ومن التشخيص النظري إلى السياسات والبرامج القابلة للتنفيذ والقياس.
جاء ذلك خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، الذي يُعقد في القاهرة على مدار يومين، خلال الفترة من 2 إلى 3 سبتمبر 2026، بحضور نخبة من الوزراء والمفتين والعلماء والمتخصصين من مختلف دول العالم، حيث نقل د. قطب سانو تحيات علماء ومفكري وخبراء مجمع الفقه الإسلامي الدولي، مؤكدًا أن المجمع يضطلع بمسؤولية بيان الأحكام الشرعية في قضايا العصر ونوازله، كما وجَّه الشكر إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي على رعايته للمؤتمر، مثمنًا ما تعكسه هذه الرعاية من اهتمام بالأسرة ومكانتها في بناء الإنسان وتماسك المجتمع وصناعة المستقبل، مشيدا بالجهود الكبيرة لفضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الديار المصرية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، وبحسن اختيار عنوان المؤتمر، معتبرًا أن قضية “التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى” تلامس واقعًا قائمًا، وتستشرف مآلات المستقبل، وتستوجب تفكيرًا مؤسسيًّا عميقًا، كما وجه التحية إلى مصر قيادة وشعبًا، مشيدًا بمكانتها التاريخية والعلمية وحضور الأزهر الشريف فيها، مؤكدًا أن مصر ظلت منارة للعلم والفكر وحاضنة للعلماء عبر تاريخها.
وقال الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي: إن الحديث عن الأسرة هو في حقيقته حديث عن الإنسان وهُويته وكرامته وقيمه، وعن الوطن وأمنه وتماسكه، وعن المجتمع ومستقبله، بل وعن الحضارة نفسها من حيث نهوضها واستمرارها أو أفولها، موضحا أن الأسرة هي أول مؤسسة عرفها الإنسان، وأول نواة يتشكل منها المجتمع، وأول لَبنة يقوم عليها الوطن، وأول مدرسة تغرس فيها قيم المحبة والانتماء والمسؤولية والتضحية، مشددًا على أن تماسك المجتمع يبدأ من تماسك الأسرة، واستقرار الوطن يبدأ من استقرار البيت، كما حذَّر سانو من جملة تحديات وصفها بأنها مركَّبة ومتداخلة وغير مسبوقة، في مقدمتها الارتفاع الكبير في معدلات الطلاق، وتزايد النزاعات الزوجية والعنف الأسري، وتأخر سن الزواج والعزوف عنه، وارتفاع تكاليفه، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية والمعيشية والسكنية التي تثقل كاهل الشباب والأُسَر، مشيرا إلى أن التحديات لا تتوقف عند الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، وإنما تمتد إلى تراجع الوظيفة التربوية للأسرة، واتساع الفجوة بين الأجيال، وانتقال جانب كبير من صناعة الوعي والقيم من الوالدين والمعلمين إلى وسائل الإعلام والمنصات الرقمية والمؤثرين والخوارزميات.
وأشار إلى أن هذه التحديات هي نتيجة مباشرة لتحولات أعمق تشمل التحول القيمي والثقافي، والتحول الاجتماعي والديمغرافي، والتحول الاقتصادي، والتحول الرقمي والإعلامي، فضلًا عن التطور التقني الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والفضاء الرقمي المفتوح، مؤكدا أن هذه التحولات لا يمكن وقفها، لأن التغير والتطور من سنن الاجتماع البشري، لكن الممكن والمطلوب هو إدارتها إدارة واعية ومسؤولة تستثمر فرصها وتحد من مخاطرها وتحول دون أن تنال من الثوابت التي يقوم عليها استقرار الإنسان والأسرة والمجتمع.
وشدد على ضرورة الانطلاق من منهج مقاصدي حضاري ينظر إلى الأسرة باعتبارها مؤسسة للسكن والمودة والرحمة، معتبرًا أن هذه القيم الثلاث ليست مجرد مشاعر، وإنما مقاصد أساسية يؤدي اختلال أي منها إلى اضطراب عميق في العلاقة الزوجية والأسرة والمجتمع، موضحا أن اختلال السكن يحول الأنس إلى نفور، والتآلف إلى تنافر، والتواصل إلى تقاطع، بينما يؤدي اختلال المودة إلى جفاف المحبة واستحكام الخصام، أما غياب الرحمة فيفتح الباب أمام القسوة والعنف وضياع الود والأمانة داخل الأسرة.
وأكد أن إدارة التحديات الكبرى لا تبدأ من مظاهرها الخارجية فقط، وإنما من إعادة الاعتبار إلى السكن والمودة والرحمة داخل مؤسسة الأسرة، باعتبارها نقطة البداية في الوقاية من التفكك والانهيار، ودعا الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي الدولي إلى الانتقال من رد الفعل إلى الاستباق والوقاية، ومن معالجة النتائج إلى الأسباب، ومن التنظير إلى البرامج والسياسات والمبادرات القابلة للتنفيذ والتقويم.
وأوضح أن حماية الأسرة تبدأ من تيسير الزواج، وإعداد المقبلين عليه معرفيًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا، وإعادة الاعتبار لدور الوالدين في التربية، وبناء ثقافة أسرية رقمية واعية، وتعزيز مؤسسات الإرشاد والإصلاح والوساطة الأسرية، وتطوير التشريعات والسياسات الداعمة للأسرة، مشددا على ضرورة إقامة شراكة حقيقية بين علماء الشريعة وعلماء النفس والاجتماع والتربية والاقتصاد والقانون والتقنية، مؤكدًا أن المشكلة المركبة لا يعالجها تخصص واحد ولا مؤسسة واحدة ولا خطاب واحد، كما حذر من أن أخطر ما قد يحدث في زمن التحولات الكبرى هو أن تصبح الأسرة مجرد متلقية للتحول بدل أن تكون شريكة في توجيهه، وأن تتحول من صانعة للقيم إلى مستهلكة لها، ومن حاضنة للوعي إلى ساحة تتنازعها المنصات والخوارزميات.
وبين سانو أن الإسلام لا يريد أسرة منغلقة على العصر ولا أسرة ذائبة فيه، وإنما أسرة واعية بالعصر، راسخة في قيمها، مرنة في وسائلها، متوازنة في علاقاتها، وقادرة على التمييز بين الثابت والمتغير، مشيرا إلى أن الدول التي تستثمر في الأسرة إنما تستثمر في أمن أوطانها واستقرار مجتمعاتها وبناء حضاراتها، كما أكد أن الإنسان سيظل، مهما تغيرت وسائل الحياة وتسارعت التقنية، محتاجًا إلى بيت يأوي إليه وأسرة ينتمي إليها وقلب يجد عنده السكينة، موضحا أن مجمع الفقه الإسلامي الدولي يدعو إلى الانتقال من فقه معالجة الأزمات الأسرية إلى فقه بناء الأسرة على أسس ربانية سليمة، ومن التدخل بعد وقوع التفكك إلى الوقاية منه، ومن الاجتهاد الفردي المحدود إلى الاجتهاد الجماعي المؤسسي المتكامل، داعيا إلى الانتقال من مجرد وصف التحديات وتشخيصها إلى صناعة المبادرات والسياسات والبرامج العملية القابلة للتنفيذ والتقويم، معتبرًا أن هذا التحول هو ما تحتاج إليه مؤسسات الإفتاء إذا أرادت أن يكون لها أثر حقيقي في الواقع الأسري.
وفي ختام كلمته، استحضر د.قطب سانو معاناة الأسرة الفلسطينية، مؤكدًا أنه لا يمكن الحديث عن الأسرة وتحدياتها من دون استحضار ما تتعرض له الأسر الفلسطينية من قتل وتهجير وتدمير، داعيًا القادة والعلماء والشعوب إلى بذل كل جهد مشروع لدعم صمودها وحماية حقها في الحياة والأمن والكرامة والبقاء.
رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بأبو ظبي
خلال كلمته بالمؤتمر الدولي الحادي عشر للإفتاء:
• المؤتمر يكتسب أهمية خاصة في الإمارات كون هذا العام هو عام الأسرة
• الفتوى تحتاج إلى مكاشفة الواقع.. والأسرة صمام الأمان في مواجهة التحديات
• المؤسسات الإفتائية تمتلك ثقة مجتمعية تؤهلها لمواكبة الواقع الأسري
• ضرورة تطوير الخطاب الإفتائي وتأهيل المفتين لمواكبة التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي

صرح الأستاذ الدكتور عمر الدرعي، رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بأبو ظبي بأن مصر هي بلد العلم والأسرة والإرث الحضاري، معربًا عن شرفه بالحضور والمشاركة في المؤتمر الدولي الحادي عشر، وبرعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، موجهًا التحية إلى مصر قيادةً وشعبًا.
جاء ذلك خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، برعاية السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية.
وأكد رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بأبو ظبي أن المؤتمر يكتسب في الإمارات أهمية خاصة، حيث إن رئيس دولة الإمارات أعلن عام 2026 عامًا للأسرة، كما لفت إلى أن مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي عقد مؤتمرًا عالميًّا قبل 8 أشهر حول الأسرة والواقع.
وشدد رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بأبو ظبي على أن الأسرة هي أولى ما تُبذل لها العناية، وأحب ما يُستصان لها الحكمة، موضحًا أن عنوان المؤتمر يفتح أمام الفكر مجالات واسعة ومترامية، في ظل تحديات لا تأتي في سياق واحد، وإنما تتنوع بين التحديات الاقتصادية، والشاشات التي تزاحم الوالدين في التربية، والخوارزميات، مؤكدًا أن موضوع المؤتمر، باتساع مجالاته، ينبئ عن طبيعة مسؤولية الأسرة، باعتبارها صمام الأمان في مواجهة التحديات.
وقال الدرعي، أتناول قضية الأسرة اليوم من خلال عدة محاور رئيسة، أولها يتمثل في الوعي بالواقع، حيث نواجه الآن قضايا أسرية حديثة ترتبط بارتفاع سن الزواج وأنماط أسرية لم نألفها وتراجع الأسرة الممتدة، وأمام هذا الواقع يجب أن نملك بوصفنا مُفتين شجاعة المكاشفة والتأكد من حضور الفتوى في قضايا الأسرة، مشيرًا إلى أن المؤسسات الإفتائية تمتلك ثقة مجتمعية تؤهلها لأدوار تساير الواقع الأسري.
وأشار رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بأبو ظبي إلى أن حصن الأسرة مسؤولية اجتماعية تتشارك فيها جميع جهات الدولة، وأن الأسرة ليست ميدانًا للمفتين فقط، وإنما تحتاج فتوى الأسرة إلى اجتهاد مركب بين مختلف العلوم الاجتماعية والسياسية والاجتماعية، مؤكدًا أهمية تفعيل القيم الإسلامية في التعامل مع قضايا الأسرة، في ظل ما تواجهه من تحديات تستدعي تضافر الجهود والعناية بها.
من جهة أخرى، حذر رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بأبو ظبي من التوجس السلبي من التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي ومواجهتها بالجمود، حيث إن هذا المنهج تبيَّن ضرره أكثر من نفعه، وأنه لا بد من البصيرة لصناعة فتوى صديقة للأسرة، مشيرًا إلى أن أي فتوى تغفل مآلات الوطن هي درب من دروب الإضرار بمستقبله.
يُذكر أن المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية، المنعقد بالقاهرة تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، يأتي هذا العام تحت عنوان: «التحديات الأُسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، بمشاركة كبار العلماء والسياسيين والمفتين وممثلي المؤسسات الدينية والفكرية من مختلف دول العالم. ويناقش المؤتمر آليات التحول من «فقه معالجة الأزمات» إلى «فقه الوقاية والاستباق»، بهدف صيانة الكيان الأسري في مواجهة المتغيرات المتسارعة، وتأثيرات الذكاء الاصطناعي، والانفتاح الرقمي، وذلك عبر بناء رؤية إفتائية ومجتمعية متكاملة تتضافر فيها العلوم الشرعية مع العلوم الاجتماعية والنفسية والتكنولوجية لحماية الهُوية وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
خلال كلمته بالمؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء.. نائب الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي:
– الحديث عن الأسرة قضية حضارية كبرى تتقاطع فيها سياسات العالم
– الأسرة هي صمام الأمان الأخلاقي ووعاء الهوية الدينية والوطنية
– حماية الأسرة وصون الهوية يحتاج إلى مشرع علمي متكامل

أكد الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله الزيد، نائب الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، أمين المجمع الفقهي الإسلامي – نيابةً عن الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي- أن الأسرة اليوم تواجه شبكة متداخلة من التحديات الكبرى التي تعيد أشكال وأنماط السلوك والعلاقات، ومن هنا تكتسب المقاربة الإفتائية أهميتها لأنها لا تكتفي بوصف المشكلة ولا تقف عند حدود الوعظ العام بل تسعى إلى النزول إلى الواقع المتغير مع الحفاظ على الثوابت الشرعية.
جاء ذلك خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، برعاية السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، المنعقد تحت عنوان: «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية» وبحضور رفيع المستوى يضم نخبة من المفتين والوزراء والعلماء وممثلين من 80 دولة من مختلف أنحاء العالم.
وفي مستهل كلمته، أوضح أن الحديث عن الأسرة في هذا العصر لم يعد حديثًا اجتماعيًّا تقليديًّا ولا شأنًا تربويًّا خاصًّا؛ بل أصبح قضية حضارية كبرى تتقاطع فيها سياسات العالم والتحولات التكنولوجية والثقافية العالمية الكبرى، مؤكدًا أن الله أراد للأسرة أن تكون موطنًا للسكن والرحمة، مستشهدًا بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، لافتًا النظر إلى أن الأسرة ميثاق غليظ ومؤسسة أخلاقية وتربوية وكيان تبنى فيه الهوية وتنشأ من خلاله الأجيال، ففي البيت يتعلم الإنسان أوثق ملامح التعامل مع الآخر وكل معاني الرحمة والمودة، وتبدأ فيها نواة الإنسان الصالح، مشددًا على أن الأسرة الصالحة أساس الاستقرار الاجتماعي وصمام الأمان الأخلاقي ووعاء الهوية الدينية والوطنية.
وأشار إلى أن التحولات الكبرى المعاصرة التي يعيشها عالمنا اليوم، لا تتحرك ببطء يسمح للمجتمعات استيعابها على مهل، بل تتحرك بسرعة فائقة تدخل عبر شاشاتنا وكافة الوسائل التكنولوجية؛ مما أفرز العديد من التحديات الدقيقة أمام الأسرة من أبرزها تراجع مركزية الأسرة في الوعي المجتمعي، وضعف مهارات الحوار داخل البيت الواحد، واتساع الفجوة بين الأجيال، وانتشار أنماط رقمية جديدة تعيد تشكيل الوعي والذوق العام.
وأضاف أن خوارزميات المنصات المختلفة تقترح وتعيد ترتيب الأولويات وتدخل في مجالات التربية والتعليم والإرشاد الأسري والعلاقات الإنسانية؛ مما يفرض تساؤلًا عميقًا حول كيفية حماية الأسرة في هذا العالم التقني المتسارع، وقال: نحن لا نرفض مطلقًا التقنية؛ فالعقل الشرعي الرشيد لا يغلق أبواب النفع والتقدم؛ بل يرفض أن تكون وسيلة تهدد كرامة الإنسان وتضعفه وتنقل الحياة من حضن الوالدين إلى فضاء لا حدود له، ومن هنا يجب إدراك أن قضايا الأسرة لا يمكن أن تعالج بمعزل عن سياقاتها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية.
كما أكد نائب الأمين العالم لرابطة العالم الإسلامي أن حماية الأسرة وصون الهوية يحتاج إلى مشرع علمي متكامل تشارك فيها المنظمات الدولية والمجامع الفقهية ومراكز علم النفس والإعلام وغيرها من المؤسسات؛ لأن الأسرة تحتاج إلى خطاب يتجاوز العموميات، محذرًا من مسارين متقابلين؛ الأول: مسار الانغلاق الذي يعزل الأسرة عن العالم، والثاني: مسار الذوبان الذي يفقد النشء خصوصيته ويقطعه عن جذور؛ لأن صون الهوية داخل الأسرة يبدأ بالمشاركة في تحولات العصر دون التفريط في الثوابت.
وتطرق خلال كلمته إلى وثيقة رابطة العالم الإسلامي التي قدمتها للعالم من أجل بناء الجسور بين المذاهب، والتي صاغها عديد من علماء الأمة وأصدروها بجوار الكعبة المشرفة، ونوه بما تضمنته من موضوعات حيوية تمس واقع المسلمين العامة والخاصة، جاءت معبرة عن موقف اجتماعي راسخ إزاء تلك القضايا، ومن بينها قضايا الأسرة باعتبارها نواة المجتمع وأهم أساس في التربية تأسيس القيم المختلفة.
وفي نهاية كلمته، أكد نائب الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي أن من أهم ما ينبغي أن يخرج به هذا المؤتمر الانتقال من التوصيات إلى الاستجابات العملية على أرض الواقع، مع مراعاة اختلاف السياقات وإنشاء مراسم علمية وبناء شراكة بين المؤسسات الشرعية والتقنية ووضع مواثيق أخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مجال التنشئة والتعليم.
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.










