قبل انقطاع الكهرباء بدقيقة، كان يُطفئ مصباحه بيده، كأنه يسبق حركة محفوظة في مكان آخر لا يريد أن تتأخر عنه.
في الخارج، بدت بناية بعيدة مقابلة – نظرا للمساحة الشاسعة بينهما – على حالها المعتاد: واجهات لا تُميز نفسها، ونوافذ لا تُصر على شيء، وامتداد ساكن لا يبدو أنه يعترف بمرور الوقت في المنطقة.
جلس عند النافذة.
كعادته تقريباً، كان يعود إلى الموضع نفسه دون أن يمنح ذلك معنى التكرار.
الساعة على الجدار تعمل، لكنه لم يعد يستند إليها كثيراً. صار التوقيت يُعرف من خلال ما يحدث خارجها، لا ما تشير إليه.
حين انقطعت الكهرباء، لم يكن هناك انفصال حاد. بل انزياح تدريجي في كثافة الأشياء، كأن العالم خفّف وزنه قليلًا، ثم استقر على وضع آخر أقل يقيناً
عندها، ظهرت الشمعة في نافذة من البناية البعيدة المقابلة.
لم تكن واضحة بما يكفي لتُعرف بسهولة، ولا غامضة بما يكفي لتُهمل. شيء صغير يصر على الاستمرار دون أن يطلب الاعتراف به.
لم يكن يسميها.
كان يظن أن الاسم يختصر ما لا ينبغي أن يُختصر.
رفع كوب الشاي، ثم تركه بين يديه دون أن يشرب. لم يكن الفعل مهماً، بل وجوده في موضعه المعتاد.
لم تكن الليلة مختلفة في البداية.
انقطاع مألوف، شارع ينكمش على نفسه، وبناية مقابلة لا تحمل ما يلفت النظر.
لكن شيئاً غير مرئي بدأ يتكون مع الوقت: صار انتظام تلك اللحظة معياراً لليوم كله، دون أن يُعلن عن نفسه.
كان يعود قبلها بقليل.
يجلس قبلها بقليل.
و يصمت قبلها بقليل أيضاً.
ولم يكن ذلك قراراً. كان أقرب إلى انزلاق بطيء في إيقاع لا يُقاوَم.
في إحدى الليالي، تأخر.
وحين وصل، كانت المنطقة قد دخلت في حالتها المعروفة بعد انقطاع الكهرباء.
وقف عند النافذة.
لم تكن الشمعة في مكانها.
لم يحدث شيء صادم. لكن غياب التفصيل الوحيد الذي اعتاده جعل كل ما حوله يبدو بلا سند.
ظل واقفاً مدة أطول مما يحتاجه الوقوف.
ثم جلس دون أن يشعل شيئاً
في تلك الليلة، لم يكن الحلم بعيداً عن الواقع، ولا قريباً منه. كان امتداداً له بطريقة لا يمكن تثبيتها.
كان في الموضع نفسه، لكن الوقت لم يكن مستقيماً.
المصباح في غرفته ينطفئ ويعود دون سبب واضح.
الشارع يتقدم ثم يتراجع كأنه لا يثق بخطوته.
والبناية المقابلة تتبدل تفاصيلها دون أن تغيّر مكانها.
وفي كل مرة تظهر فيها الشمعة، كان شيء فيه يُعاد ترتيبه بصمت، كأن وجوده نفسه يتكئ على تكرار لا يملكه.
لكن الشمعة لم تكن ثابتة.
أحياناً في النافذة ذاتها.
أحياناً في نافذة مجاورة.
وأحياناً في موضع لا يستقر داخل البناية.
ثم، دون انتقال واضح، رأى نفسه من الخارج: يقف عند نافذته، ينظر إلى العمارة المقابلة، كأنه جزء من مشهد لا يحتاج إلى جهة واحدة ليكتمل.
ثم انقطع كل شيء دون علامة.
استيقظ على اختلال خفيف في انتظام الأشياء.
الساعة لا تطابق ذاكرته.
كوب الماء موضوع بطريقة لا يتذكر لحظة وضعه فيها.
والغرفة تبدو أكثر ترتيباً مما يتوقعه من صباح عادي.
لم يعلق.
في الاسبوع التالي، عاد كل شيء إلى انتظامه المعتاد.
انقطاع الكهرباء في وقته.
الشارع في صمته.
والبناية المقابلة في سكونها المعروف في المنطقة.
ثم ظهرت الشمعة.
لكنها هذه المرة تأخرت لحظة واحدة.
لحظة لا يمكن قياسها، لكنها تكفي لإزاحة معنى التكرار قليلاً عن مكانه.
في الأسابيع التالية، لم تعد الشمعة تلتزم بسلوك واحد.
أحياناً تسبق الانقطاع.
أحياناً تأتي بعده.
وأحياناً تبدو في نافذة لا تنتمي تماماً إلى مكانها الأول.
ومع ذلك، لم يسأل.
كان يعرف، دون أن يُصرح، أن السؤال يأتي دائماً بعد فقدان القدرة على التحقق.
في ليلة لم يظهر فيها شيء، خرج.
لم يكن ذلك قراراً، بل استمراراً لمسار لم يعد قابلاً للإيقاف.
عبر الشارع، بدا كل شيء أقرب مما يجب وأبعد مما ينبغي في الوقت نفسه.
عند المدخل، كان الحارس جالساً كأنه جزء من المكان.
سأله عن النافذة التي بالشقة التي تظهر فيها الشمعة عند انقطاع الكهرباء.
رفع الحارس رأسه ببطء، كأن السؤال لا يستدعي إجابة جديدة.
– أي شمعة؟
أشار الرجل إلى الطابق دون يقين، كأن الإشارة وحدها محاولة لإثبات أن شيئاً ما كان يحدث.
قلب الحارس دفتراً صغيراً، ثم قال:
الشقة هذه مغلقة من سنين.
توقف لحظة، ثم أضاف:
– والمصباح العمومي لا ينطفئ ليلاً في هذه المنطقة ابدا.
صمت الرجل.
لم يكن صمت دهشة، بل صمت فقدان معيار صغير كان يُنظم به لياليه ومساءاته دون أن ينتبه.
رفع نظره إلى العمارة.
النوافذ كلها مضاءة بصورة عادية، بلا استثناء.
إلا واحدة.
في الموضع الذي كان يشير إليه دائماً
كانت مغلقة.
أو ربما لم تكن كذلك … لكن اليقين نفسه بدا وكأنه فقد صلاحيته.
في طريق العودة، لم يعد يحاول تفسير ما حدث.
بل بدا له أن ما حدث لم يكن حدثاً، بل طريقة مؤقتة لتهدئة شيء غير قابل للتهدئة.
وخلفه، في مكان لا يمكن الجزم بحدوده، بقي أثر الشمعة قائماً كاحتمال لا يحتاج إلى إثبات كي يستمر.
القاهرة – الأربعاء
13-5-2026
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.










