(العقل محدود في عالم ليس له حدود) !!!
بقلم: الكاتب الصحفي والإعلامى الكبير "سمير البرعى"
العقل في مواجهة اللا محدود .. قراءة في منهج الكاتب والمفكر الكبير “يوسف زيدان” وأزمة منهجية تفكيره !!!

مِنْ أعمق المعضلات التي تواجه العقل البشري هي محاولة إخضاع الكون الفسيح، بكل أسراره وتاريخه وغيبياته، لأدوات القياس المادية المحدودة التي يمتلكها العقل البشري، مهما بلغ من العبقرية، ومهما حاز صاحبه على أرفع الشهادات والدكتوراة في جزئيةٍ ما، يبقى قاصراً ومحصوراً في حدود مدركاته وتجاربه، بينما يظل جاهلاً بالبقية العظمى من نواحي الحياة والوجود.
تجلت هذه الإشكالية بوضوح في الأطروحات الأخيرة للكاتب والمفكر الدكتور “يوسف زيدان”، وتحديداً في إنكاره التاريخي لقصة “أبرهة والحبشة وأصحاب الفيل”، التي خلّدها القرآن الكريم في سورة واضحة وجلية.
لقد اعتمد “زيدان” في إنكاره على منهجية “العقلانية المادية الصارمة”، مسقطاً حسابات اللوجيستيات الحديثة من توافر الماء والكيلومترات على بيئة وتاريخ يمتدان لأكثر من ألف وخمسمائة عام، معتبراً أن ما لا يستسيغه عقله وحساباته هو بالضرورة “خرافة” لم تحدث !!!؛ وهنا تحديداً جانَبَهُ الصواب.
إن خطأ هذا المنهج يكمن في نقطتين أساسيتين:
أولاً: محدودية الإدراك البشري: الكون والحياة يشملان من الحقائق والسنن ما يعجز عقل الفرد الواحد عن استيعابه.
ثانياً: تجاهل التواتر التاريخي والديني: وهو ما استند إليه الأزهر الشريف والعلماء في ردهم الحاسِم.
فالقرآن الكريم حين خاطب كفار قريش بقوله: “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ”، كان يحاججهم بحدثٍ عاينوه أو عاينه آباؤهم عياناً بياناً في “عام الفيل”؛ ولو كان الأمر مخترعاً لكان كفار مكة — وهم أحرص الناس على تكذيب النبوة— أول من قالوا: “ما رأينا فيلاً وما سمعنا بهذا !!”، لكن إجماعهم وتواتر القصة في ذاكرتهم الجماعية قطع الطريق على أي تشكيك.
إن العقل أداة عظيمة للتدبر والفهم، لكنه حين ينفصل عن سياقات التواتر التاريخي، وحين يتكبر عن الاعتراف بمحدوديته أمام الغيب واللامحدود، يقع في فخ “الجهل المركب”.
لقد أراد “يوسف زيدان” إعمال العقل مطلقاً، فخانه العقل لأن القصة لم تكن يوماً خاضعة لمعايير مختبره التجريبي، بل لسياق تاريخي، وديني، وأثري أثبتت الأيام والنقوش (كنقش مريغان) زيف الادعاء بإنكاره.
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.










