أشعة مقطعية للصحراء المصرية
أطلقت الحكومة مشروعًا ضخمًا للمسح الجوي الجيوفيزيائي، الاسم يبدو وكأنه مادة صعبة في كلية العلوم؛ لكن الفكرة بسيطة جدًا، طائرات مجهزة بأجهزة متطورة، تقرأ ما تحت الأرض دون الحاجة إلى الحفر، وكأنك تعمل أشعة مقطعية للصحراء كلها !!

الطائرات ستمر فوق الصحراء الشرقية، الصحراء الغربية، سيناء، وادي العلاقي، واحة البحرية، وأبو طرطور، مناطق شاسعة لم تحصل على تحديث جيولوجي شامل منذ سنوات طويلة؛ ببساطة مصر بدأت أخيرًا تسأل الصحراء: “أنتِ مخبية إيه تحتك ؟!”، ولماذا يتابع العالم القصة ؟!؛ لأن سباق المعادن الاستراتيجية أصبح عالميًا، وأي اكتشاف كبير اليوم قد يغير خريطة الصناعة لعقود قادمة.
الكيان الإسرائيلى عينه على صحراء مصر لماذا ؟! .. وما حكاية الليثيوم الذى شغل العالم كله ليحفر في التراب ؟!
تخيل إنك ورثت قطعة أرض ضخمة من جدودك، مساحتها ملايين الأفدنة، فيها جبال وصحاري ووديان، لكن توجد مشكلة صغيرة جدًا؛ وهى أنك لا تعلم ما الذى يوجد تحتها ؟!، فيمكن أن تكون مجرد رمال، ويمكن أن تكون مخزن ثروات يساوي مليارات الدولارات، وهذا تقريبًا وضع أجزاء كبيرة من الصحراء المصرية؛ لأن تحت هذه الرمال قد تكون مختبئة معادن أصبحت اليوم أهم من الذهب نفسه في بعض الصناعات، معادن العالم كله يجري وراءها: الكيان الإسرائيلى، الصين، أمريكا، أوروبا، وشركات التكنولوجيا العملاقة، وأشهر نجم في هذه الحفلة هو الليثيوم؛ هذا المعدن الصغير الذي قلب الاقتصاد العالمي رأسًا على عقب، حيث كانت الدول فى الماضى تتنافس على حقول النفط، أما اليوم الدول تتنافس على المعادن التى تشغل بطاريات المستقبل؛ لأن كل الصناعات العسكرية المتقدمة، كل سيارة كهربائية تقريبًا، وكل مشروع ضخم لتخزين الطاقة، وكل سبائك الطيران، وكل البطاريات العسكرية، تعتمد بشكل أو بآخر على الليثيوم، ولهذا أصبح اسمه “الذهب الأبيض” !!
والسؤال الذي لا يعرف أحد إجابته:- هل مصر تمتلك احتياطيات ضخمة من الليثيوم والمعادن الاستراتيجية ؟!
الإجابة: الحقيقة؛ لا أحد يعرف بشكل مؤكد !!؛ ولذلك فإنك لا تستطيع بيع كنز، قبل أن تعرف حجم المخزون لديك، ولا تستطيع جذب المستثمرين، إذا كنت لا تملك خريطة واضحة لما يوجد تحت الأرض؛ وهنا قررت مصر أن تفعل شيئًا لم يحدث بهذا الحجم منذ عقود طويلة.
ومن بين المتابعين كانت هناك وسائل إعلام إسرائيلية؛ وهنا يظهر السؤال المثير: لماذا تهتم صحف إسرائيلية بطائرات تحلق فوق سيناء وجبل الطور والصحراء المصرية ؟!؛ لأنها تتضمن ثروات ومعادن أثمن من البترول والذهب على وجه الأرض، فالمعادن الاستراتيجية اليوم أصبحت جزءًا من معركة الاقتصاد العالمي، الصحيفة العبرية “معاريف” اهتمت جدًا؛ لأن الكيان الإسرائيلي، متقدم تكنولوجيًا، لكن مواردها الطبيعية محدودة. و”استغلال” ثروات جيرانها ليس بغريب عليها؛ لكن مصر لا تسمح لأي استثمار إسرائيلي مباشر بسبب الحساسية السياسية، لكن الإسرائيليين ممكن يدخلوا من “الباب الخلفي”؛ استثمارات مع شركات أمريكية أو أوروبية شريكة.
وتصريحات الحكومة بأن مصر لن تبيع الخام مرة أخرى، بل ستستغل ثرواتها لفتح باب التصنيع المصري، ولذلك الجميع يراقب، والجميع ينتظر، فإذا وُجد بأن الليثيوم موجود فعلًا،
هنا تبدأ الأحلام الكبيرة؛ لأن الليثيوم ليس المعدن الوحيد المطلوب، هناك أيضًا: النيكل، الكوبالت، الجرافيت، والعناصر الأرضية النادرة؛ وهي المعادن التي تقوم عليها صناعات المستقبل بالكامل تقريبًا.
فجأة قد تتحول مناطق صحراوية مهملة إلى مراكز استثمار عالمية، وفجأة قد تبدأ شركات التعدين الكبرى في الاصطفاف أمام أبواب الدولة، وفجأة يصبح التراب الذي لم يكن يلتفت إليه أحد مادة يتنافس عليها الجميع، لكن لحظة وجود المعدن شيء، واستخراجه اقتصاديًا شيء آخر تمامًا؛ لأن العثور على الخام لا يعني تلقائيًا وجود منجم مربح، وهنا يدخل العلم والهندسة والاستثمار والتكنولوجيا التى تسعى لها مصر، والرقم الذي يجعل الحكاية مثيرة، فقطاع التعدين المصري الذى كان يمثل نسبة محدودة من الاقتصاد، مقارنة بالإمكانات التي يتحدث عنها الخبراء، ولذلك تراهن الدولة على تطوير القطاع خلال السنوات القادمة، فالفكرة ليست بيع الصخور فقط، الفكرة هي بناء صناعة كاملة؛ استكشاف، استخراج، معالجة، تصنيع، وتصدير، وسلسلة طويلة من الوظائف والاستثمارات !!
منتدى التعدين المصري يوم 28 – 29 سبتمبر ٢٠٢٦ في العاصمة الإدارية الجديدة وأهميته فى الوقت الراهن
يعني الفرق بين أن تبيع التراب، وأن تبيع التكنولوجيا المصنوعة من التراب، ولذلك تم التمهيد لهذا، بالإعلان عن الحدث الأهم: منتدى التعدين المصري يوم 28 – 29 سبتمبر ٢٠٢٦ في العاصمة الإدارية الجديدة، فالمستثمرين الدوليين سينزلون مصر لكى يروا النتائج الأولية للمسح الجوي؛ فإذا كانت النتائج مبشرة، فالصفقات ستتشكل، وإذا كانت النتائج مخيبة للآمال، فإن الليثيوم سيبقى تحت الأرض لحين إشعار آخر !!!
فمصر راهنت على هذا المنتدى، وتم تحت رعاية رئاسية (الرئيس عبد الفتاح السيسي) لأن أملنا كبير، لأن أسوأ شيء ليس أن تكون فقيرًا، الأسوأ هو أن تكون جالسًا فوق ثروة محتملة، ولا تعرف أنها موجودة أصلًا، فالكيان الإسرائيلى يتابع، والمستثمرين الأجانب منتظرين، فإذا ظهرت النتائج إيجابية، سنتحول إلى دولة “منتجة”، وإذا ظهرت سلبية، نرجع مرة أخرى للرمال، لكن الأمل كبير، والتكنولوجيا الحالية تخترق أعماق الأرض، والطلب العالمي على المعادن فتح شهية الجميع !!
وفي الآخر، مصر تستعد لثورة تعدينية، من خلال المسح الجوي الشامل، الذى يُعتبر “البوصلة” التي ستدلنا على الكنز، والكيان الإسرائيلى يراقب من بعيد، ويريد أن يشترك في الكعكة، والنتائج إن شاء الله ستظهر في سبتمبر، إما نصبح أغنياء، أو نقبع فى مكانا، وإنَّ الله مع الصابرين.
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.










