في اليوم الذي توقفتُ فيه عن الرد، لم يحدث شيء يُعلن بدايته. لم يكن قراراً، بل انزلاقاً خفيفاً في عادة لم أعد أستطيع تبريرها لنفسي.
وصلت الرسالة عند التاسعة وثلاث عشرة دقيقة. قرأتها، ثم قلبت الهاتف على وجهه. لم يكن في الحركة معنى واضح، لكنني شعرت أن شيئاً ما في الغرفة قد تغيّر، ولو بمقدار لا يمكن قياسه.
لم أعد أنظر إلى الشاشة، ومع ذلك، بقيت أسمعها.
في المكتب، كان كل شيء في مكانه المعتاد: الأصوات، الملفات، الأوراق، حركة الأيدي التي تشير أكثر مما تقول. الناس يتحدثون كما لو أن ما يقولونه قد حدث بالفعل، أو سيحدث حتماً لأنهم قالوه بثقة كافية.
لم يسألني أحد لماذا صمتُّ. لكن أحداً لم يتصرف كما لو أن الصمت طبيعي أيضاً.
كان هناك دائماً هذا الفرق غير المعلن بين من يتكلم ومن يُتوقع منه أن يرد.
جلست إلى مكتبي وفتحت ملفاً واحداً. لم أتنقّل بين الاوراق كما كنت أفعل عادة. لم يكن هناك سبب واضح لذلك، لكنني لم أشعر بالحاجة إلى شرح هذا لنفسي.
عند الحادية عشرة، اقتربت زميلة.
لم تقف طويلاً
قالت بسرعة:
– أرسلتُ إليكِ.
لم أجب فوراً.
كانت واقفة كأنها تنتظر رداً محفوظاً، جملة تأتي دائماً بعد الجملة الأولى.
لكنني قلت:
– رأيت.
لم تتحرك في اللحظة الأولى.
ثم قالت:
– هناك من ينتظر.
لم أرفع رأسي من الملف:
– ليس الآن.
لم تجادل.
لكنها لم تغادر مباشرة أيضاً.
كأنها كانت تحاول أن تفهم لماذا لم يحدث ما كان يحدث دائماً،
ثم ابتعدت.
بعد دقائق، مرت زميلة أخرى. لم تكن تنظر كثيراً إلى الأشياء، لكنها كانت تعرف متى تنظر. .. توقفت عند باب مكتبي، نظرت إلى هاتفي المقلوب.
ثم إليّ.
وقالت:
– أخيراً!.
ثم واصلت سيرها.
لم أفهم إن كانت جملة، أم تعليقاً على شيء لم يُقل أصلاً.
في منتصف اليوم، بدأ الهاتف يهتز.
مرة. ثم مرة أخرى. ثم لم يتوقف.
ثم جاء اتصال من قسم الأخبار.
لم أجب.
تركت الصوت يعمل وحده في الغرفة.
كان هناك شيء غريب في استمرار الرنين دون أن ينكسر شيء في المقابل.
كأن الطرف الآخر لا يلاحظ أن أحداً لم يعد موجوداً في الجهة الأخرى.
أو كأن الوجود لا يحتاج هذا النوع من التبادل.
بعد قليل، انقطع الصوت وحده.
ثم عاد العمل إلى شكله المعتاد، كأن شيئاً لم يكن يحاول أن يحدث أصلاً
لم يسألني أحد لاحقًاً.
لكن أحداً لم يطلب مني شيئاً بالطريقة نفسها.
في نهاية اليوم، فتحت الرسائل القديمة.
لم أقرأها كاملة.
لكنني توقفت عند جمل كانت تبدو الآن كأنها كُتبت في وقت لم يعد موجوداً، وصور لصاحبتها مقلوبة.
جمل كانت تُشبه ما يحدث قبل أن يحدث، لكنها لم تصل إلى أي مكان.
تركت الهاتف مفتوحاً. ثم أغلقت الشاشة.
لم أحذف شيئاً. لكنني لم أعد أعود إليها أيضاً.
في الأيام التالية، لم يتغير شيء بشكل يمكن الإشارة إليه.
فقط، لم يعد أحد يبدأ الحديث معي بالطريقة نفسها.
أو ربما أنا من لم أعد ألتقط بداياته.
سُئلت في اجتماع:
– هل لديك اعتراض؟
تأخرت قليلاً.
ثم قلت:
– لا.
توقفت الجملة عند هذا الحد.
لم أشرحها.
لم أعد أشعر أن هناك ما يحتاج إلى شرح.
في الاستراحة، جلست زميلة إلى جانبي دون أن تقول شيئاً في البداية.
ثم قالت:
– لم أعد أفهم متى أصبحتِ هكذا.
لم أجب.
لم يكن هناك شكل واضح للإجابة.
فقط ظلّ الصمت بيننا يأخذ حجمه الكامل دون أن يُفسَّر.
في مساءٍ لاحق، سألني أحدهم:
– كيف أصبح كل شيء أخف عليك؟
نظرت إليه.
لم أجد الجملة المعتادة.
فقلت بدلاً منها:
– لا أعرف متى بدأ كل شيء يطلب رداً.
لم يسأل بعدها.
وفي طريق العودة، كان الهاتف مقلوباً في حقيبتي.
لم أفتحه.
لكنني كنت أعرف أنه هناك.
كأن وجوده لم يعد يحتاج إلى استخدام.
وفي مكان ما خلفي، مرّ أحدهم.
قال شيئًا يشبه التحية.
لم ألتفت.
أو ربما التفتُّ دون أن يحدث ذلك فعلياً.
لم يكن هناك ما يثبت الفرق.
القاهرة – السبت –
11-4-2026
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






