مسودة قانون الأحوال الشخصية الجديد .. بين مُستجدات المُشريعيين وإعتراضات الحقوقيين
بقلم: وجيه نزيه
تشهد الساحة القانونية والمجتمعية نقاشاً مُحتدماً حول (مسودة مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد)، والذي يهدف إلى إعادة صياغة العلاقات الأسرية من خلال إستحداث وتعديل مجموعة واسعة من البنود التشريعية، بالتوازي مع موجة عارمة من الإنتقادات والإعتراضات التي تبنتها قوى المعارضة، والمنظمات الحقوقية مُعتبرةً بعض هذه المقترحات تراجعاً أو شططاً تشريعياً.
حيث تتضمن أبرز المُستجدات في بنود القانون المقترح وضع ضوابط صارمة لـ (مرحلة الخُطبة)، تشمل آليات واضحة لرد المَهر والهدايا والتعويض في حال الفسخ، إلى جانب إلزامية توثيق الطلاق والحد من الطلاق الشفهي عبر إشتراط آليات إثبات رسمية لتقييد الإنفصال المبكر .. كما استحدث التشريع بنداً يسمح بإدراج شروط خاصة في عقد الزواج أو عبر وثيقة إتفاقية مُستقلة تنظم الحقوق والواجبات والإلتزامات قبل إتمام العقد .. وعلي ذلك منح الزوجة حق إشتراط عدم الزواج بأخرى إلا بإذن كتابي منها، وبجانب الحق في تفويضها في تطليق نفسها على الصعيد المالي .. ومن هنا قد أقر القانون إستقلالية الذمة المالية لكل من الزوجين، مع إمكانية الإتفاق على كيفية إدارة وإستثمار الأموال المشتركة المكتسبة بينهما أثناء الزواج .. بالإضافة إلى فرض وثيقة تأمين إجبارية لصالح الزوجة لضمان مُستحقاتها المالية و النفقة بعد الطلاق .. وكذلك حقها في إنتفاع بمسكن الزوجية في حالات الطلاق أو الوفاة.
وفيما يخص الطفولة و الرعاية حدد القانون سن الحضانة بـ ١٥ عاماً للذكور والإناث على حد سواء قبل تخييرهم أو نقل الولاية مع إجراء تعديل جوهري يقضي بتقديم ترتيب حضانة الأب ليكون في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم إلى جانب إدخال ( مفهوم الإستزارة و الرؤية الإلكترونية ) وإسناد الولاية التعليمية للطرف الحاضن بصفة أصيلة مع تفعيل الربط التقني بالمنظومة الإلكترونية بين نيابات ومحاكم الأسرة وصندوق دعم الأسرة لتسريع آلية تنفيذ النفقات.
وفي المقابل وصفت قوى المعارضة و الحركات الحقوقية والنسوية العديد من هذه البنود بالهراء القانوني والتجاوزات الصارخة التي تكرس التمييز و تهدد الإستقرار الأسري و المجتمعي المصري .. حيث انصبت الإنتقادات الحادة على آلية صياغة القانون ذاته و اعتبرت المعارضة أن تشكيل اللجنة الحكومية يعكس خللاً بنيوياً و هيمنة ذكورية واضحة نظراً لضعف التمثيل النسائي فيها مما أدى لإنتاج نصوص لا تعبر عن الواقع الفعلي لمشكلات النساء و الأطفال .. وكما اعتبرت المعارضة تقديم ترتيب الأب في الحضانة إلى المرتبة الثانية إلتفافاً على حقوق الأمهات و المصلحة الفُضلى للطفل محذرة من إستخدام هذا البند كوسيلة ضغط لإبتزاز النساء و مقايضتهن بحقوقهن المالية مقابل الإحتفاظ بأطفالهن .. وانتقدت المعارضة كذلك فرض عقوبات و غرامات مالية على الحاضن في حال تعذر الرؤية دون مراعاة للأسباب النفسية معتبرين إياها نصوصاً تعسفية.
وأما على الجانب المُتعلق بمشروع قانون الأسرة لأخواتنا المسيحيين قد واجه المُقترح هجوماً حقوقياً واسعاً لمطالبته بفتح حوار مجتمعي علني و وُصفت صياغته الحالية بأنها تُكرس عقوبات أبدية ليس لها مثيل و تضيق الخناق على أسباب علي ما يُسمون الإنحلال المدني للزواج فضلاً عن غياب قانون مدني موحد و شامل للأحوال الشخصية يضمن المواطنة الكاملة و يقضي على التضارب في الأحكام القضائية الناتجة عن تباين هذة المرجعيات الدينية.
————————–
و لنتطرق معاً اكثر وضوحاً وتفصيلاً مُرتباً و في تمعن للمُستجدات و الإستحداثات :
* أولاً : مُستجدات و تعديلات بنود قانون الأحوال الشخصية :-
– البند الأول ( الخُطبة و مُستحقاتها ) : تنظيم قانوني مُستحدث يضع ضوابط صارمة لفترة أو مرحلة الخطبة حيث ينص التعديل على آليات قانونية واضحة و محددة تلزم الأطراف بآلية رد المَهر و الهدايا بالإضافة إلى إقرار الحق في التعويض المادي و المعنوي للطرف المُتضرر في حال فسخ الخُطبة دون مُقتضى .
– البند الثاني ( توثيق الطلاق و منع الشفهي ) : و هو تعديل جوهري يقضي بإلزامية التوثيق الرسمي لكافة حالات الطلاق ،و الحد بشكل قاطع من الإعتداد بالطلاق الشفهي ؛ حيث يشترط القانون آليات إثبات رسمية و قنوات توثيقية مُقيدة لتقليل نسب الإنفصال السريع و المبكر و حماية الحقوق المُترتبة عليه .
– البند الثالث ( الشروط الخاصة و ثيقة الإتفاق ) : إستحداث مادة تتيح للأطراف إدراج شروط خاصة و مُخصصة ضمن عقد الزواج أو صياغتها عبر ( وثيقة إتفاق مُستقلة ) حيث منها تُنظم الحقوق و الواجبات و الإلتزامات المُشتركة قبل إتمام العقد بشكل رسمي ،و يتضمن هذا البند منح الزوجة الحق في إشتراط عدم زواج زوجها بأخرى إلا بإذن كتابي و مسبق منها فضلاً عن إمكانية تفويضها في تطليق نفسها و هي أن تصبح ( العصمة ) بيدها .
– البند الرابع ( إستقلالية الذمة المالية ) : و هو إقرار بند تشريعي يضمن الإستقلال التام للذمة المالية لكل من الزوج و الزوجة مع توفير مساحة قانونية تسمح بالإتفاق المكتوب على كيفية إدارة إستثمار و توزيع الأموال و المُمتلكات المُشتركة التي يتم إكتسابها أو تحصيلها أثناء قيام العلاقة الزوجية .
– البند الخامس ( وثيقة التأمين الإجبارية و المسكن ) : و منها تفعيل مادة تلزم بفرض وثيقة تأمين إجبارية لصالح الزوجة عند الزواج لضمان سرعة إستيفاء مُستحقاتها المالية و النفقة المُقررة لها فور وقوع الطلاق ،و يتكامل هذا مع نص قانوني يضمن حقها الأصيل في الإنتفاع بمسكن الزوجية و الإمتياز به في حالات الطلاق أو وفاة الزوج .
– البند السادس ( سن الحضانة و ترتيب الأب ) : و يتطرق إلى تعديل المادة الخاصة بالحقوق و الرعاية لتوحيد سن الحضانة عند ١٥ عاماً لكل من الذكور و الإناث على حد سواء قبل تخيير المَحضون أو نقل الولاية ،و يتزامن ذلك مع تعديل هيكلي يرفع ترتيب الأب في منظومة الحضانة ليكون في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم مُتقدماً على الجدة للأم .
– البند السابع ( الإستزارة و الرؤية الإلكترونية ) : و عليها تم إدخال بند مُستحدث يشرع هذا النظام و تفعيله عبر وسائل التواصل كبديل تكنولوجي مُكمل يضمن تواصل المحضون مع الطرف غير الحاضن في الظروف الإستثنائية أو السفر .
– البند الثامن ( الولاية التعليمية و الربط الرقمي ) : و هو شأنين في آن واحد بتعديل المادة الناظمة للشئون التعليمية لتسند الولاية التعليمية بصفة أصيلة و مباشرة للطرف الحاضن و هي الأم في الغالب .. منعاً للمُناكفات الأسرية و حزم الجدال و تطويقه ،و يرتبط ذلك إدارياً بإنشاء منظومة ربط تقني إلكترونية شاملة بين نيابات و محاكم الأسرة و صندوق دعم الأسرة لتسريع وتيرة تنفيذ النفقات و الأحكام المالية و تفادي البيروقراطية و مُعاناتها في التنفيذ .
————————–
* ثانياً : تجاوزات و مآخذ المُعارضة على بنود و مواد القانون :-
– البند التاسع ( آلية الصياغة و التمثيل النسائي ) : حيث ترى المُعارضة و الحركات الحقوقية أن آلية تشكيل اللجنة الحكومية المُكلفة بصياغة القانون تشوبها تجاوزات بنيوية و خلفية ذكورية واضحة .. نظراً لضعف التمثيل النسائي و الحقوقي الفاعل فيها .. مما ترتب عليه إنتاج مواد و نصوص معزولة عن الواقع الفعلي والمعاناة الحقيقية التي تواجهها النساء و الأطفال في المحاكم.
– البند العاشر ( الإلتفاف على الحضانة و الإبتزاز ) : تعتبر المعارضة أن المادة التي تقضي بتقديم ترتيب الأب إلى المرتبة الثانية في الحضانة تعد تجاوزاً صارخاً يلتف على المصلحة الفضلى للطفل و حقوق الأمهات .. حيث تُحذر أصوات القوى النسائية من إستغلال هذا البند كأداة ضغط غير مشروعة لإبتزاز الأمهات و مقايضتهن بالتنازل عن حقوقهن المالية و الشرعية مقابل الإحتفاظ بأطفالهن .
– البند الحادي عشر ( العقوبات التعسفية في الرؤية ) : انتقدت المعارضة بشدة البند الذي يفرض غرامات مالية و عقوبات مُشددة على الطرف الحاضن في حال تعذر تنفيذ الرؤية ،و وصفته بالهراء القانوني لكونه يغفل تماماً الأسباب النفسية المُعقدة للمحضون أو التطرق للظروف القهرية مما يجعلها نصوصاً تعسفية تزيد من إحتقان العلاقة الأسرية.
– البند الثاني عشر ( إنتقادات قانون الأسرة للأخوة المسيحيين و غياب القانون المدني ) : و علي هذا واجهت المسودة الخاصة بالأحوال الشخصية للمسيحيين هجوماً حقوقياً واسعاً بسبب غياب الحوار المُجتمعي العلني و الشفاف حولها ،و وصفت المُعارضة نصوصها الحالية بأنها تكرس عقوبات أبدية و تضع قيوداً مُشددة تضيق الخناق على أسباب الإنحلال المدني للزواج .. كما شددت المُعارضة على أن الإصرار على القوانين الطائفية يمثل تجاوزاً للمواطنة الكاملة مُطالبة بضرورة إقرار ( قانون مدني موحد وشامل للأحوال الشخصية) لجميع المواطنين ينهي التضارب القضائي الناتج عن تباين المرجعيات والمحاكم الدينية ،و بالحق تنويه أن اشاعت الكنيسة المصرية ومشيخة الأزهر الشريف عبر صفحاتهما الرسمية بعدم تمرير ومناقشة و إيجاز الموافقة لهذة التعديلات التشريعية حتي الآن ،و منها الجانب التنفيذي وواقعها علي البيت المصري لنسيج واحد مُتماسك ومُتكامل في رباط ظل راية الوطن.
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.










