كانوا ثلاثة يقفون على رصيف المحطة:
شاب في مطلع العمر، وامرأة في الثلاثين، ورجل مسن تتكئ السنوات على كتفيه كما تتكئ عصا على جدار قديم.
كان الشاب يمشي مسرعاً بين طرفي الرصيف، جيئة وذهابا، يحمل حقيبة صغيرة ويختلس النظر الى ساعته، ثم يرفع عيناه الى ساعة المحطة الرقمية المضيئة فوق الرصيف.
كانت ارقامها الحمراء تتوهج في وضح النهار، واضحة اكثر مما ينبغي، تتبدل من دقيقة الى اخرى بلا تردد، كأن الزمن يقفز قفزاً بلا هوادة، وكل رقم جديد يشعره بان شيئا ما ينفلت منه.
قالت له المرأة، وقد كانت تراقبه بهدوء:
– لماذا تسرع هكذا؟ القطار لم يصل بعد.
توقف قليلا وقال:
– اعتدت ذلك. اذا لم اتحرك على عجل ساورني احساس بانني متاخر، ولو لم يكن هناك ما يفوتني.
جلست المرأة على المقعد الخشبي، وضعت حقيبتها الى جانبها، وابتسمت. قالت في نبرة اقرب الى الاعتراف، تذكرني باسلوب مذيعة نشرة ما تصف على الشاشة حدثا عابراً لا يكاد يعني احدا، فتلوح بيمينها سريعا، سريعا، كأن الحركة وحدها قادرة على ان تمنح التفصيل الهامشي وزنا لا يملكه.
ثم اتبعت ابتسامتها باخرى محسوبة، كأنها تحرص ان يقال عنها انها تمتلك ادواتها، قبل ان تستقر نظرتها امامها وتتابع:
– وانا اعتدت الجلوس. اذا اسرعت اتعب، واذا تعبت احتجت الى من يجلس معي. ولا احد يجلس.
كان الرجل المسن واقفا غير بعيد عنهما، يداه معقودتان خلف ظهره، وبصره مُعلق بخط الأفق حيث تتلاقى القضبان بالفراغ.
التفت اليهما وقال:
– كنت مثلكما. اسرعت في السير حتى صار التعجل سجية لي، وجلست طويلا حتى كاد السكون يبتلع ايامي، ثم اكتشفت ان القطارات لا تعبأ بنا؛ تأتي في موعدها وتمضي في موعدها. نحن وحدنا من يختار الصعود او الانتظار.
ساد صمت قصير، بينما الساعة الرقمية تومض، وكأنها تعدّ ثواني العالم كله.
ثم رفع الرجل رأسه، وأشار الى السماء:
– انظروا الى السماء.
مرت طائرة حربية تجر خلفها صدى محركاتها، وكأنها إعلان عن حروب متوقعة في كل زاوية من العالم.
– انظروا الى سماء المحطة، تابع المسن بصوت منخفض،
– الحروب تلوح في الافق، والذهب يرتفع جنونيا كل يوم، كأنه يحاول شراء هروبنا من واقعنا.
رفع الشاب حاجبيه:
– كيف يمكن للحكومات ان تسمح بهذه الفوضى؟
ثروات الشعوب تذهب ادراج الرياح، بينما نحن نراقب العالم من على رصيف محطة.
هز الرجل المسن رأسه ببطء:
– يا من تحكمون شعوباً، الله استخلفكم في الحكم، وانتم تبددون الثروات في الحروب والدمار. يضعكم على رأس الشعوب لتحرسوا امنها وكرامتها، وليس لأهواء ضيقة.
ساد صمت ثقيل، كأن الكلمات أودعت في الهواء ولم تجد صدى، وفوقهم، بدلّت الساعة الرقمية رقما بآخر، في ومضة خاطفة، كأنها ختم يوضع على لحظة انتهت دون ان تسألهم ان كانوا مستعدين لانتهائها.
بعد قليل انفرجت السماء عن مطر خفيف، ما لبث ان اشتد.
احتمى الثلاثة تحت سقف المحطة.
وعلى مقربة منهم كانت عجوز تبيع المناديل الورقية. لم تغير مكانها، مسحت وجهها بمنديل، ثم عادت تراقبهم بعينين هادئتين كأنهما اعتادتا مشاهد الانتظار.
انعكست ارقام الساعة المضيئة على الأرض المبللة، فتكسرت صورها فوق الماء، كأن لكل واحد منهم زمنه الخاص.
قطع المطر صمتهم بوقعه المنتظم، ثم لمح الشاب امرأة تمشي مسرعة عبر الساحة المبتلة.
كانت ثيابها تتشبع بالماء، وشعرها يلتصق بوجهها، وانفاسها تتلاحق كأن شيئا خفيا يدفعها من خلفها.
بلغت الرصيف، توقفت، ونظرت الى القضبان. لم يكن هناك قطار.
قالت بصوت متهدج:
– فاتني.
اجابت المرأة الجالسة بهدوء:
– لا شيء يفوتك هنا. القطار التالي بعد عدة دقائق.
هزت الوافدة رأسها وقالت:
– لم اقصد قطاراً. اقصد رجلاً. سعيت خلفه سنتين. بالأمس قال انه لا يشعر نحوي بشيء. توقفت عن السعي، وجلست في بيتي عملاً بنصيحة زميلتي. اليوم رأيته في السوق، كان يسأل عني. جئت خلفه الى هنا… ثم اختفى.
نظر الشاب اليها طويلاً، كأنه يرى في قصتها انعكاساً لقصته.
قال:
– وانا تعلقت بامرأة اعواماً. تركتني، فجلست احصي خساراتي. اليوم كتبت الي تعترف بخطئها وتطلب العودة. لا ادري ماذا افعل.
سألته المرأة:
– اتريدها حقا؟
قال بعد تردد:
– بالامس كنت اظن انني اموت شوقاً إليها. وحين قرأت رسالتها اليوم احسست بغرابة باردة؛ كأنني كنت اسعى خلف سراب، وحين اقتربت منه لم اجد سوى ظلي.
قال الرجل المسن بصوت خفيض:
– هذا هو الداء. تلهث خلف الشيء فيبتعد، فإذا كففت عن ملاحقته اقترب، فإذا اقترب لم تدرِ اتمد اليه يديك ام تدير له ظهرك.
نظن ان المشكلة في التوقيت، وهي فينا.
صمتوا جميعا، وفوقهم، بدلّت الساعة الرقمية رقما جديداً، كأنها تومض للحظة قصيرة لتُذكرهم بالوقت، بلا عاطفة، بلا رحمة.
اقتربت العجوز ببطء، ومدت الى الوافدة منديلاً:
– امسحي وجهك، المطر بارد.
اخذته شاكرة، ومسحت وجهها، ثم نظرت الى الجمع وقالت:
– اذا انتم ايضا تنتظرون قطاراً، او شخصاً، او معنى.
بعضكم هارب من العجلة، وبعضكم هارب من السكون.
قالت المرأة الجالسة:
– نحن هنا فحسب. وهذا، في تلك اللحظة، يكفينا.
.. مر قطار مسرعٌ لا يتوقف، يهز الهواء ويمضي. وحدها الساعة الرقمية ظلت ثابتة، ارقامها تتبدل في انتظام بارد، غير مُكترثة بالضجيج.
كان القطار عابرا، اما هي فمقيمة. كأن العبور طارئ، والزمن وحده هو الثابت.
خف المطر، وانشقت السحب عن خيط من ضوء. من بعيد بدا قطار يقترب ببطء.
رفع الشاب عيناه الى الساعة الرقمية. كانت تعرض الوقت ذاته الذي انتظره عند قدومه، ومع ذلك شعر انه لم يعد الشخص ذاته.
سُمع نداء الاذاعة الداخلية تشير إلي القطار القادم .
بدلت الساعة رقماً جديداً، فأضاء الرصيف للحظة قصيرة، كاشارة بدء لا يسمعها سواه.
نهضت المرأة، ونهض الشاب، واستقامت الوافدة كأنها اتخذت قراراً صامتاً.
اما الرجل المسن ظل في مكانه، وكأنه تجاوز وهم القطارات.
صعد الثلاثة الى العربة. تبادلوا نظرات خاطفة، تقول الكثير وتكتم الأكثر.
تحرك القطار ومضى.
بقي الرجل على الرصيف، وبقيت العجوز تبيع مناديلها، وبقيت الساعة الرقمية تومض فوقهم، تغير ارقامها بلا انفعال.
وها هي الحياة، كما هي دائما، تمضي غير عابئة بمن يُسرع الخُطي اليها او يُؤثر البقاء.
القاهرة – الثلاثاء –
24-2-2026
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






