أحدث الأخبار
أراء وكتابسياسة

المسؤولية ليست منصبًا… بل نتيجة !!

بقلم: "محسن طاحون" عميد الجالية بشرق السعودية

 

حين تُسند الدولة إلى مسؤولٍ منصبًا عامًا ..
فهي لا تمنحه وجاهةً أو امتيازًا .. وإنما تضع بين يديه أمانة ومسؤولية وقرارًا .. وتمنحه من السلطات بقدر ما تطالبه من النتائج.

ومن هنا .. فإن المسؤولية الحقيقية لا تبدأ عند إصدار القرار .. بل تبدأ بعده بالسؤال الأصعب:

ماذا حقق هذا القرار على أرض الواقع؟

ومن يتحمل نتيجة نجاحه أو إخفاقه؟

لدينا مسؤولون يعملون في ظروف ليست سهلة .. ويتحملون ملفات شديدة التعقيد .. ويواجهون تراكمات ومشكلات قديمة لا يمكن إنكارها.

ومن الإنصاف
ألا نطالب المسؤول بحل كل شيء بين يوم وليلة.

لكن من الإنصاف أيضًا
أن نطالب كل مسؤول بأن يعرف حقيقة ما يجري في نطاق مسؤوليته ..
لا كما تصفه الأوراق .. وإنما كما يعيشه الناس.

عندما تصبح التقارير حجابًا بين المسؤول والواقع

المكتب ضرورة .. والتقارير ضرورة .. واجتماعات القيادات جزء من الإدارة .. لكن الخطأ يبدأ عندما تتحول هذه الأدوات من وسائل تساعد المسؤول على معرفة الواقع إلى بديل عن رؤية الواقع نفسه.

فالتقرير قد يكون صحيحًا .. وقد يكون منقوصًا ..
وقد يُكتب أحيانًا بطريقة تجعل الصورة أكثر جمالًا مما هي عليه.

أما الميدان فلا يجامل أحدًا.

حين يذهب المسؤول بنفسه إلى موقع الخدمة .. ويتحدث إلى المواطنين والعاملين .. ويرى طوابير الانتظار .. ومستوى النظافة .. وحالة المنشآت .. وطريقة أداء الموظفين .. والوقت الذي تستغرقه الخدمة .. فإنه يحصل على معلومات قد لا يجدها في عشرات التقارير .. خاصة إذا كانت زياراته متكررة وغير مخطط لها في مواعيد محددة.

العين التي ترى الواقع قد تكتشف في دقائق ما تخفيه الأوراق لشهور.

وهنا قد يتوقف قطار الإصلاح

أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مسؤول أن يعيش داخل صورة إدارية تختلف عن الحقيقة.

تخبره التقارير أن الأمور تسير بصورة جيدة ..
بينما يعاني المواطن من خدمة متردية.

تخبره الأرقام أن المشكلة انتهت ..
بينما انتقلت المشكلة فقط من مكان إلى آخر.

ويؤكد له بعض المرؤوسين أن التعليمات نُفذت .. بينما لم يتغير شيء حقيقي على الأرض.

وهكذا تتسع المسافة بين ما تعرفه القيادة
وما يعيشه المواطن.

وهذه المسافة تحديدًا هي البيئة التي يجد فيها الإهمال والفساد والبيروقراطية فرصة للنمو.

الإدارة بالأهداف… لا بكثرة التعليمات

لهذا أرى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تطبيق أكثر صرامة لمفهوم الإدارة بالأهداف والنتائج.

فكل مسؤول يجب أن تكون أمامه أهداف واضحة ومعلنة ..
مرتبطة بجدول زمني ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

لا يكفي أن نقول لمسؤول: “حسّن مستوى الخدمة”.

بل يجب أن نسأله:
كم كان زمن الحصول على الخدمة .. وكم أصبح؟
كم شكوى كانت تُقدم .. وكم انخفضت؟
كم مشروعًا كان متعثرًا .. وكم مشروعًا تم إنجازه؟
كم تكلفت الخدمة .. وهل تحسنت كفاءتها؟
وماذا تغير بالفعل في حياة المواطن؟

عندها ننتقل من إدارة الأقوال إلى إدارة النتائج.

السلطة والمسؤولية وجهان لعملة واحدة

لا يمكن أن نمنح مسؤولًا سلطة القرار ..
ثم نفصل هذه السلطة عن نتائج قراراته.

فالقرار الناجح يجب أن يُكافأ صاحبه ..
والتقصير يجب أن يُحاسب عليه صاحبه ..
والإهمال المتكرر
لا ينبغي أن يجد مأوى خلف الأعذار والتقارير.

وفي الوقت نفسه .. يجب أن تكون المحاسبة عادلة .. لأن المسؤول لا يمكن أن يُحاسب على نتيجة لم تُمنح له الأدوات أو الصلاحيات أو الموارد اللازمة لتحقيقها.

وهنا تكتمل المعادلة:

هدف واضح + صلاحيات كافية + موارد مناسبة + قياس مستمر + محاسبة عادلة = إدارة قادرة على الإنجاز.

المسؤول الناجح لا ينتظر الحقيقة… بل يبحث عنها

المسؤول الحقيقي لا يكتفي بمن يخبره أن كل شيء بخير.

بل يسأل .. ويفتش .. وينزل إلى الميدان ..
ويفتح قنوات مباشرة لمعرفة شكاوى الناس.
ويستمع إليهم .. ويقارن بين التقرير والواقع .. لينتبه من يكتبها ويعرف أن هناك مطابقة سوف يتم القيام بها .. فيرصد الحقيقة ..

فمن أخطر ما يمكن أن يحيط بأي مسؤول مجموعة من المرؤوسين الذين لا ينقلون إليه إلا ما يحب أن يسمعه.

وهنا تصبح الزيارة الميدانية غير المرتبة .. وقياس رضا المواطنين .. وتحليل الشكاوى .. والتواصل المباشر مع العاملين والمتعاملين .. أدوات إدارة ورقابة وليست مجرد مظاهر إعلامية.

وأخيرًا…

الدولة التي تريد إصلاحًا حقيقيًا لا تحتاج فقط إلى مسؤولين يصدرون القراراتً.. وإنما إلى مسؤولين يتابعون أثر قراراتهم ويتحملون نتائجها.

نحتاج إلى ثقافة إدارية جديدة تقول لكل من يتولى مسؤولية عامة:

انزل إلى الميدان…
شاهد بعينيك…
استمع إلى الناس…
قِس النتائج…
صحح الخطأ…
وتحمّل مسؤولية القرار.

فالمناصب تزول .. والأسماء تتغير .. والتقارير تُحفظ في الأدراج .. لكن ما يبقى في النهاية هو الأثر.

والمواطن لا يعنيه كثيرًا كم اجتماعًا عُقد ..
ولا كم توجيهًا صدر .. ولا كم تقريرًا كُتب.

إنه يسأل سؤالًا أبسط وأقسى:

ماذا تغير في حياتي؟

وعندما يصبح لهذا السؤال إجابة واضحة قابلة للقياس .. نكون قد وضعنا أقدامنا بالفعل على أول طريق الإصلاح الحقيقي.

فالمسؤولية ليست أن تمتلك سلطة القرار…
المسؤولية أن تملك شجاعة تحمل نتائجه.


اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا