في آخر الليل، حين تتثاءب الساعات وتنسحب الضوضاء كجيشٍ مهزوم، كان يجلس وحيداً كمن يحرس سراً لا يريد له أن يُقال. لم يكن ينتظرها، فهي لا تأتي … بل تتكون. تنبثق في ذهنه كما تنبثق النجوم في سماءٍ تُرى وتُضيء ويُهتدى بها، كأن ظهورها ليس زينةً للكون، بل دليلاً لمن تاه.
لم تكن امرأةً بالمعنى الذي يعرفه الناس، بل حالة. مزيجاً غريباً من حضورٍ لا يُمسّ، وغيابٍ لا يُحتمل. كل ما قرأه عن الجمال بدا وكأنه تمرين تمهيدي لظهورها. كل النساء بجانبها كمسوداتٍ قديمة، وهي النسخة التي نجا منها الخطأ.
وكان هناك آخر، قريبٌ منه بما يكفي ليرى التغير، بعيدٌ عنه بما يكفي ليظل خارج الدائرة. كان يراقبه بصمتٍ مريب، كمن يشاهد رجلًا يهتدي بنجمٍ لا يراه سواه. لم يفهمها، لكنه فهم أثرها: اتزانٌ زائد، شرودٌ لذيذ، وابتسامة تأتي بلا سبب واضح.
بدأت العقدة حين شعر بثقل هذا الكمال. لم يعد قادراً على الاكتفاء بالمشاهدة الصامتة. كان الأمر يشبه الاهتداء بنجمٍ لا يمكنك بلوغه؛ في البداية يمنحك الاتجاه، ثم يوقظ فيك رغبة الوصول إليه. نشأت داخله رغبة خفية أن يُنزِلها من مقامها، أن يختبرها تحت ضوءٍ لا يرحم.
وفي مساءٍ بدا عادياً، لكنه كان مشحوناً بما يكفي ليكسر صمته، نظر إليها نظرةً طويلة، نظرة لم تكن بريئة. كانت اعترافاً متأخراً، مكثفاً، كأنه اختصر سنواتٍ من الصمت في لحظة واحدة.
فهمت.
لم تتراجع، ولم تتقدم. فقط نظرت إليه كما لو أنها تعيد حساب شيءٍ ظنّت أنه محسوم.
ثم قالت، بصوتٍ لا يحمل قسوة ولا شفقة:
– أنت لا تحبني… أنت تهتدي بي لتصل إلى شيءٍ فيك.
كانت الجملة كحدٍ فاصل بين عالمين.
تجمد كل شيء. حتى ذلك الحضور الذي كان يملأ المكان بدأ يتشقق، لا لأنها انكسرت، بل لأنه اكتشف أنه كان دليلاً أكثر منه غاية.
أضافت:
– أنا لست الوجهة… أنا مجرد ضوء. وإن أخطأت فهم الضوء، ظننته طريقاً يجب امتلاكه.
هنا بلغ التوتر ذروته. لم تكن المشكلة في رفض أو قبول، بل في انهيار الفكرة نفسها. ماذا يبقى من الشعور حين يتحول من غاية إلى وسيلة؟
… ساد صمت ثقيل، لكنه لم يكن فراغاً… كان إعادة توجيه.
ثم، بشكلٍ غير متوقع، تنفس بعمق، وكأن الطريق اتضح أخيراً.
وقال بهدوء:
– إذن لم أكن مخطئاً تماماً… كنت فقط أسيء تعريفك.
للمرة الأولى، لم يرها كشيءٍ يُمتلك، بل كعلامةٍ تُقرأ. ولم يرَ نفسه كعاشقٍ ضائع، بل كمسافر بدأ يفهم الخرائط.
ابتسمت، ابتسامة خفيفة، كنجمةٍ لا تُمسك، لكنها لا تخذل من يهتدي بها.
ومنذ تلك الليلة، لم تعد حلماً مكتملاً، بل صارت نوراً يكشف الطريق دون أن يفرض وجهته. ولم يعد يبحث عن كمالٍ يسكنه، بل عن اتجاهٍ يليق به أن يُسلك.
أما ذلك الآخر، الذي كان يراقب من بعيد، فقد أدرك أخيراً: أن بعض النجوم لم تُخُلق لنصل إليها … بل لنصل بها.
القاهرة – الأثنين
20-4-2026
اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.










