أحدث الأخبار
أراء وكتابمنوعات

(سرقة عمر مدن لا تنام) !!

بقلم: الكاتب الصحفى والإعلامى الكبير "سمير البرعى"

​اقتصاديات المدينة التي لا تنام .. هل نسرق عمرها بتغيير الساعة ؟!؛ ​في الاقتصاد الحديث، الوقت ليس مجرد قياس فيزيائي، بل هو “أصل رأسمالي”.

"صورة من القاهرة في الليل"
“صورة من القاهرة في الليل”

المدن التي تُوصف بأنها “لا تنام” – مثل نيويورك، باريس، روما، والقاهرة – ليست مجرد تجمعات سكنية ضخمة، بل هي “ماكينات اقتصادية” تعمل بأقصى سرعة ممكنة؛ لكن، هل تتعارض الإجراءات الإدارية، مثل “التوقيت الصيفي والشتوي”، مع الطبيعة الحيوية لهذه المدن ؟!

​أولًا: مفهوم “المدينة التي لا تنام” كاستراتيجية اقتصادية

​المدينة التي لا تنام هي مدينة تنجح في تحويل “الزمن” إلى “قيمة” في هذه المدن، لا تتوقف عجلة الاقتصاد عند غروب الشمس؛ هناك استمرارية في تقديم الخدمات، وتدفق للسيولة،
وحركة للسياحة والتجارة اقتصاديًا، كل ساعة عمل إضافية تعني زيادة في الناتج المحلي، كفاءة أكبر للأصول، وتوفيرًا مستمرًا لفرص العمل، إنها منظومة تعتمد على “دوران المال” الذي لا يعرف الانقطاع.

ثانيًا: التوقيت الصيفي والشتوي .. هل هو غير ضروري؟!

​غالبًا ما يتم تبرير تغيير الساعة (التوقيت الصيفي والشتوي) بأهداف تتعلق بترشيد الطاقة أو التنظيم الإداري؛ ولكن بالنسبة للمدن التي تعمل بنظام الـ 24 ساعة، يُنظر إلى هذا التغيير أنه يعيق انسيابية الماكينة الاقتصادية..

​١- صدمة النظام: تغيير الساعة مرتين في العام يمثل صدمة دورية للخدمات اللوجيستية، المواصلات، والجداول الزمنية الدولية، بالنسبة لمدينة مرتبطة بأسواق العالم، هذا يعني ارتباكًا في التوقيتات.

٢- تكلفة الفرصة البديلة: كل ساعة يتم التلاعب بها هي ساعة يتم فيها تعطيل إيقاع طبيعي نمت عليه المدينة. المدن التي لا تنام تضبط ساعتها على “حاجة السكان والنشاط الاقتصادي”، وفرض توقيت إداري خارجي قد يقلل من كفاءة هذه الماكينة.

ثالثًا: القاهرة.. النموذج “العضوي” للنشاط الدائم

​بينما تُصنف باريس أو نيويورك كمدن لا تنام بفضل “التخطيط” والسياحة الموجهة، تبرز القاهرة كنموذج مختلف تمامًا؛ إنها “المدينة التي لا تنام عفويًا”.

الطبيعة قبل القانون: القاهرة لا تسهر لأن هناك “خطة سياحية” لذلك، بل لأن طبيعتها المناخية (حرارة النهار) وطبيعتها الاجتماعية (الترابط الأسري والسكاني) تفرض هذا النمط، الليل في القاهرة هو امتداد للنهار وليس منفصلًا عنه.

اقتصاد “الاستهلاك الحي”: في القاهرة، يتداخل السائح مع المواطن في نفس الشارع والمقهى، هذا يجعل الاقتصاد المحلي قويًا ومستقلًا؛ فالدورة الاقتصادية لا تتوقف عند إغلاق المتاحف، بل تستمر في آلاف المحلات والورش، والخدمات التي تعمل ليل نهار لتلبية احتياجات سكان المدينة الذين يرفضون النوم مبكرًا.

القاهرة كمركز ثقل: هي مدينة تمتلك “كتلة حرجة” من البشر، هذا الضغط البشري الدائم يجعل من “تغيير الساعة” أمرًا ثانويًا أمام قوة إيقاع المدينة؛ ومع ذلك، فإن إجبار مدينة مثل القاهرة على “النوم” أو تقييد نشاطها بساعات عمل محددة، سيكون بمثابة إهدار لجزء كبير من حيويتها الاقتصادية، التي تقوم على هذا النشاط الدائم.

رابعًا: المقارنة الاقتصادية.. الهدوء أم الحركة ؟!

​المدن التي تختار “النوم” (إغلاق المطارات، تقليص ساعات العمل) تضحي بالعائد الاقتصادي مقابل “الراحة والهدوء”؛ أما المدن التي “لا تنام” (القاهرة، نيويورك، روما)، فقد اختارت “النمو المستمر”.

المكسب: استغلال كامل للأصول (المحلات، المطاعم، المواصلات) طوال اليوم.

الخسارة .. ضغوط عمرانية وبيئية

​لكن من منظور اقتصادي خالص، المدن التي ترفض النوم هي الأكثر قدرة على امتصاص الأزمات؛ فعندما تُغلق الأبواب في المدن الهادئة، تظل القاهرة ونيويورك في حالة حركة، مما يضمن استمرار تدفق النقد وحركة المجتمع.

​إن المدن التي لا تنام هي “كنوز اقتصادية” يجب التعامل مع إيقاعها بحذر؛ التلاعب بالوقت (عبر التوقيت الصيفي والشتوي) في مدن تمتلك إيقاعًا حيويًا ذاتيًا مثل القاهرة، قد يكون عبئًا إداريًا لا يخدم الاقتصاد، بقدر ما يعطل تناغمه؛ القاهرة بتاريخها الذي يمتد عبر العصور، ونسيجها الاجتماعي المتصل، تثبت أن “الليل” ليس نهاية العمل، بل هو فرصة اقتصادية ثانية إذا ما أُديرت بذكاء بعيدًا عن القيود المصطنعة !!!


اكتشاف المزيد من جورنال أونلاين

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

هانى خاطر

الدكتور هاني خاطر حاصل على درجة الدكتوراه في السياحة والفندقة، بالإضافة إلى بكالوريوس في الصحافة والإعلام. يشغل حالياً منصب رئيس الاتحاد الدولي للصحافة العربية وحقوق الإنسان في كندا، كما يتولى رئاسة تحرير موقع الاتحاد الدولي للصحافة العربية وعدد من المنصات الإعلامية الأخرى. يمتلك الدكتور خاطر خبرة واسعة في مجال الصحافة والإعلام، ويُعرف بكونه صحفياً ومؤلفاً متخصصاً في تغطية قضايا الفساد وحقوق الإنسان والحريات العامة. يركز في أعماله على إبراز القضايا الجوهرية التي تمس العالم العربي، لا سيما تلك المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والحقوق المدنية. طوال مسيرته المهنية، قام بنشر العديد من المقالات التي سلطت الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان والتجاوزات التي تطال الحريات العامة في عدد من الدول العربية، فضلاً عن تناوله لقضايا الفساد المستشري. ويتميّز أسلوبه الصحفي بالجرأة والشفافية، ساعياً من خلاله إلى رفع الوعي المجتمعي والمساهمة في إحداث تغيير إيجابي. يؤمن الدكتور هاني خاطر بالدور المحوري للصحافة كأداة فعّالة للتغيير، ويرى فيها وسيلة لتعزيز التفكير النقدي ومواجهة الفساد والظلم والانتهاكات، بهدف بناء مجتمعات أكثر عدلاً وإنصافاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا